11 Jan 2018
الدمج التربوي في المبرّات: مأسسة التجربة الإنسانية
الدمج التربوي في المبرّات: مأسسة التجربة الإنسانية

فاروق رزق، مجلة البر العدد 45
 
أطلقت جمعيّة المبرّات الخيريّة منذ سنوات، أسبوعاً سنوياً في أيار من كل عام، لتسترجع فيه مؤسساتها تاريخها كركيزة أساسية من أجل الانطلاقة إلى المستقبل باندفاعة وحيوية وتخطيط، ومن أجل أن تبقى حركة دؤوبة وعطاء مستمراً. 
 
وأسبوع المبرّات هذا العام عنوانه: "الدمج التربوي في المبرّات لذوي الصعوبات التعلّمية" أردنا منه الإطلالة على شريحة كبيرة من أطفالنا الذين لديهم احتياجات تربوية خاصة، يتيح الدمج التربوي أمامها الفرصة لتحسين تحصيلها الأكاديمي وتأقلمها الاجتماعي والشعور بالمسؤولية الذاتية، والإحساس المتزايد بتقدير الذات. 
 
ولأن الدمج التربوي مفهوم يلامس جوهر رسالة جمعية المبرّات الخيرية في أهدافها الإنسانية التنموية، في التأكيد على أحقّية التعلم للجميع، دأبت المبرّات على تطوير برنامج للدمج منذ العام 1995، بدأت بتطبيقه في ثانوية الكوثر، ثم امتدت التجربة لتطال مدارس المبرّات الخمسة عشر، ومعاهدها المهنية الستة، وها هي اليوم تحتضن 1456 تلميذاً، تتنوّع حالاتهم بين الصعوبات التعليمية، عسر القراءة والكتابة، اضطرابات اللغة، اضطراب الإفراط الحركي وتشتت الانتباه، اضطراب طيف التوحد، متلازمة "داون"، والشلل الدماغي، ويتوزعون على صفوف متعددة، من مرحلة رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية. 
 
وتعمل المبرّات على مأسسة هذه التجربة لتضمن للتلامذة ذوي الصعوبات التعلّمية الانخراط في العملية التعليمية بشكل طبيعي يتوافق مع قدراتهم وإمكانياتهم وحاجاتهم الخاصة، وقد أعدّت لذلك آليات عمل ضمن نظام الجودة المعتمد في مدارسها، ابتداءً من مرحلة إجراءات القبول والتسجيل، إلى البرنامج التربوي الفردي، وتقديم الخدمات العلاجية، كتقويم النطق، العلاج الحسي- الحركي/الانشغالي، العلاج الفيزيائي، العلاج النفسي، خدمات الصحة المدرسية، الخدمات الإرشادية، وصولًا إلى التقييم المستمر للتقدم المحرز عند ذوي الصعوبات، وقياس مؤشرات جودة العمليات المرتبطة بالدمج التربوي وتفسير وتحليل النتائج. 
 
التعلّم التشاركي 
لقد احتاج تطبيق برنامج الدمج داخل الصفوف في مدارس المبرّات إلى تطبيق نموذج التعليم التشاركي (Co-Teaching) وهو أسلوب يقوم على تشارك كل من معلّمة التربية العامة ومعلّمة التربية الخاصة بالعمل معًا في صف منتظم، وتكون المعلّمتان مسؤولتين عن: تخطيط سير الدرس، إعطاء الارشادات، تحصيل التلامذة، التقييم والانضباط؛ وذلك للتقليل من مشاكل تخطيط البرامج ولاستدامة التواصل الفعّال بينهما. كذلك تقوم المعلّمتان بتحليل محتوى المنهاج، وأخذ القرارات بالنسبة للاستراتيجيات التعلميّة، وأيضًا يقومان بتحديد الحاجات الخاصة غير الأكاديمية ولكن المؤثرة على نجاح التلميذ في المدرسة، من قبيل الثقة بالنفس، المهارات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي. 
 
وتضمّن البرنامج، إضافة إلى المواد التعليميّة النظاميّة المعدّلة، مادة تقرير المصير (Self-Determination) التي تهدف إلى تعليم التلامذة ذوي الاحتياجات الخاصة كيفية الإدارة الذاتية لحياتهم. وهذه المادّة هي مزيج من المهارات، المعارف والمواقف التي تمكّن الشخص من الانخراط في سلوك ذي هدف موجّه، منظّم ذاتيًا ومستقل، وذلك بهدف فهم مواطن القوة والضعف لديه، إلى جانب إيمانه بنفسه أنه قادر، فاعل ومدرك لأهمية العلاقة بين الجهد والنتيجة. 
 
كما تمّ إعداد أداة لقياس مدى انخراط التلامذة ذوي الاحتياجات الخاصة في العملية التعليمية تساهم في التركيز على نوعية وجودة تقديم التعليم عند التغيير في مدخلات ومخرجات العملية التعلّمية، وفي زيادة تدريب المعلمين، وللتأكّد من تحصيل التلامذة النواتج التعلّمية المرجوّة. 
 
وفي موازاة ذلك شكّل التواصل مع الأهل مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات برنامج الدمج التربوي في المبرّات، وبناءً على ذلك، تضمّن البرنامج حلقات حوارية، لقاءات دورية وأسبوعية ومنشورات تتناولاتخاذ الأهل التدابير التي من شأنها حماية طفلهم، وتوعيتهم على معرفة النواحي الصحية التي ترتبط بحالات أبنائهم، والتثقيف حول أهمية الكشف والتعرّف المبكر على حالات الصعوبات التعلّمية لدى الأبناء، وتنمية المهارات لمعرفة أساليب التدخل المبكر. وكذلك توعيتهم على تبني اتجاهات والدية سويّة نحو ولدهم وتجنب الاتجاهات السلبية: كالإنكار، الرفض والأسى، إلقاء اللوم وتدني مستوى التوقعات الوالدية من الإبن أو الإبنة، فضلاً عن تعريفهم بطبيعة الصعوبات وخصائصها النفسية والاجتماعية والجسمية والفكرية. 
 
إتاحة الشراكات 
إن تبني المبرّات للدمج التربوي أتاح العديد من الشراكات مع مؤسسات المجتمع والدولة، أبرزها: 
 
1. التعاون مع الجامعات والمدارس لتنفيذ برنامج تدريب ميداني يتيح لطلاب الجامعات والمدارس الحضور في الصفوف الدامجة والاطلاع على كيفية تطبيق برنامج الدمج التربوي في المبرّات. 
2. الشراكة مع وزارة التربية لتسهيل التقدم للامتحانات الرسمية وتجهيز القاعات وتأمين الأدوات المساندة لذوي الاحتياجات الخاصة على تنوعها. 
3. الشراكة مع الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين لتنفيذ القانون 220/2000 المتعلق بحقوق الأشخاص المعوقين مع ماله من تشعبات حقوقية مع كافة الوزارات الرسمية لتسهيل عملية الاندماج من كافة النواحي. 
4. المشاركة في وضع الخطة الوطنية التربوية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والانماء. 
5. المشاركة في اللجنة المكلفة من قبل المركز التربوي للبحوث والانماء لتعديل المناهج ووضع توصيف للامتحانات الرسمية للتلامذة ذوي الاحتياجات الخاصة. 
6. المشاركة في وضع المبادئ الأساسية للدمج التربوي في لقاء الخبراء الدولي الذي عقد في مقر اليونيسكو- باريس تحت عنوان "التحرك نحو نهج التعليم الدامج، التوجه للاحتياجات والتوقعات المتنوعة للمتعلمين". 
7. الشراكة مع مؤسسات ومنظمات دولية وعربية ووطنية مختلفة لتبادل الخبرات والتجارب من خلال تقديم أوراق عمل في المؤتمرات المعنية بتعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ودمجهم التربوي والاجتماعي. 
8. تدريب معلمين في المدارس اللبنانية المختلفة على تقنيات الدمج التربوي، وفي العديد من مدارس البلدان التالية: سوريا، مصر، سلطنة عمان، اليمن، السودان، الكويت، مصر، وكذلك تدريب وفود من وزارات التربية والشؤون الاجتماعية العربية، وإطلاعهم على تجربة المبرّات كإحدى التجارب الرائدة في لبنان في تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة. 
 
تجربة الهادي 
وتجدر الإشارة إلى تجربة دمج سبقت برنامج الدمج في المدارس، قامت بها مؤسسة الهادي لتعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات البصرية والسمعية وذوي الاضطرابات اللغوية والذهنية والأولاد ذوي التوحد، مع الثانويات والمهنيات المحيطة بالمؤسسة، وكذلك مع بعض الجامعات اللبنانية، حيث قدمت المؤسسة لطلابها خدمات متنوعة من أجل متابعة تحصيلهم الدراسي، ومع تعدد حاجات التلامذة المدمجين وتنوعها افتتحتالمبرّات مركز سراج عام 2003 لتأمين خدمة التشخيص التربوي والكشف المبكر على مشاكل التطور النمائي، وذلك بإشراف اختصاصيين يوفرون الاختبارات الضرورية والاقتراحات المناسبة لبرامج التدخل والمتابعة. 
 
لقد سعت المبرّات من خلال برنامج الدمج إلى تجسيد فكر المؤسس سماحة العلاّمة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (طيب الله ثراه) في العمل على اتخاذ جميع الإجراءات التي تؤمّن لذوي الاحتياجات الخاصة، أحقية التعلم، وتجعلهم مواطنين حالمين بالإنجاز والتقدم، وكذلك سعت إلى تجسيد مفهوم الرحمة، وفقاً لما تحدث عنه المؤسس عندما خاطب العاملينفي المبرّات بالقول:" أيها الأحبة، إن الرحمة ليست مجرد مشاعر يتحسسها الإنسان ولكنها حركة في مواقع الإنسانية، فالله خلقنا برحمته، لذا علينا أن نحوّل الرحمة إلى حركة، إلى سلوك، إلى مشاريع، إلى تعامل، إلى تفاعل مع الناس الآخرين بحيث تنطلق من شخصياتنا، كما ينطلق الضوء من الشمس، وكما ينطلق الماء من الينبوع".
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل