30 Jan 2018
دور مدارس المبرّات في تعزيز اللغة العربيّة
دور مدارس المبرّات في تعزيز اللغة العربيّة

 
نمرة حيدر أحمد، مشرفة اللغة العربية، مجلة البر، العدد 45
 
من المؤسف في بلدنا أن نرى الإقبال على دراسة اللغة العربية وآدابها إلى انحسار، وأصبح عدد المتقنين لقواعد هذه اللغة محدودًا جدًا، وإن توفّر من حاز على إجازة تعليمية فيها تجد إلمامه بأبسط تفاصيلها دون المستوى المطلوب.

إن هذا الواقع الخطير للغة العربية لم يقتصرعلى لبنان فحسب، بل برز جليًا على مساحة الوطن العربي أيضاً، وهذا ما دفع بعض الغيورين عليها من الكتّاب والمثقفين العرب إلى رفع أصواتهم والتحذير من هذا الإنحدار والتهميش الخطير للغة القرآن ولغة التراث العربي الذي كان له بصمته الجلية في تاريخ البشرية ورقيّها، وعزو كلّ ذلك إلى ما يمر به العالم من تسارع في تقنيّة المعلومات والاتصالات التي باتت هاجس الانسان ومرتكز عمله، فأصبح أسير لغتها الخاصة التي طغت على لغته وحكمت عليها بالتهميش وساعد على ذلك أيضًا الواقع الاقتصادي والتطبيع الثقافي الذي انعكس على الواقع التربوي وعلى اللغة العربية التي كانت أكثر المتضررين من ذلك.

إن صدى هذه الأصوات التي ارتفعت انعكس حضورًا هامًا لهذه اللغة في بعض المؤتمرات الدولية، وفي الاستراتيجيات الثقافية لبعض الدول العربية، فتشكل نتيجة ذلك المجلس الدولي للغة العربية الذي ضمّ أدباء ومثقفين وتربويين حريصين على إعادة هذه اللغة إلى عزّها ومكانتها في نفوس وعقول الناطقين بها. كما أطلقت بعض المشاريع الدولية لخدمة هذا الهدف مثل " مشروع التحدّي القرائي".

بدأتُ بهذه المقدّمة لأصل إلى تبيان الدّور الرائد الذي تقوم به مدارس المبرّات من أجل الحفاظ على اللغة العربيّة وإعلاء شأنها في نفوس طلابها والناطقين بها ضمن محيطها المحلي.

إنّ مدارس المبرّات التي انبثقت من رحم مجتمعها لتجسد فكر مؤسسها سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه) بكل ما يحمل هذا الفكر من حصانة للدين والقيم ودعوة لأهميّة العلم والتعلّم والتميّز. سعت جاهدة لجعل شخصيّة الخريج في مدارسها عاكسة لما ورد في رسالتها (مسلم، مؤمن، مثقف، واع لقضايا عصره...).

فجميعنا يدرك أنّ اللغة العربية هي مفتاح للانسان المسلم المؤمن ليلج من خلاله إلى عالم القرآن وتعاليم دينه وإلى تراث الأمّة من دون إهمال علوم عصره.

اهتمام المبرّات باللغة
ومن هنا جاء اهتمام مدارس المبرّات باللغة العربية اهتماماً فائقاً، وتجلى هذا الاهتمام بالتركيز على اختيار مدرسي اللغة العربيّة بدقة وإخضاعهم لبرامج تأهيل مكثفة قبل ممارسة التعليم وبعده.

إنّ مدارس المبرّات تلزم كل مدرسي ومنسقي اللغة العربيّة بحضور ورش العمل التدريبية المنظمة والمخطط لها من قبل إشراف المادة ومكتب التطوير والتخطيط والورش المعدّة من قبل جهات خارجيّة معروفة في عالم التربية والتعليم وذلك على نفقتها الخاصة أو بناء على تسهيلات متفق عليها سابقاً مع المعلم، كما تفسح المجال أمامهم لمتابعة الدراسات العليا وكلّ ذلك من أجل تطوير آدائهم واكتساب خبرات جديدة على مستوى تدريس المادة وتقييمها.

كما أتاحت مدارس المبرّات أمام إشراف المادة ومن يرغب من المنسقين المشاركة في المؤتمر الدولي للغة العربية لنقل أي جديد يمكن أن يساهم في تعزيز هذه اللغة، و قدّم الإشراف المشارك باسم المبرّات ورقة عمل عكست المنهجية المميزة في تأهيل المعلمين وأثر ذلك على رفع مستوى الطلاب وكلّ ذلك مرفق بشواهد وأدلة من واقع العمل. وكان هناك مشاركات بنّاءة مع المركز التربوي ومساهمات في دراسة المناهج وتجربة أحدث ما أتت به (التربية الإدماجيّة المعتمدة الآن في مدارسنا خير دليل على ذلك).

العربية أصبحت لغة حياة
كيف انعكس تأهيل المعلمين على تعليم اللغة العربية في مدارس المبرّات؟

حاول إشراف اللغة العربية مع فريق العمل في المدارس وبمواكبة حثيثة من الإدارة العامّة إلى إخراج اللغة العربية من بوتقتها الضيّقة القائمة على المحتوى الجاف وأسلوب الحفظ التلقيني إلى رحاب عالم مليء بالأنشطة الحيوية والاستراتيجيات الناشطة والوسائل الحديثة. اللغة العربية في المبرّات لم تعد لغة كتاب فقط بل أصبحت لغة حياة بالرغم من كلّ التحديات التي تصادف فريق العمل والصعوبات التي تعترضه نتيجة انغماس المجتمع بأكمله بالتكنولوجيا ومتطلباتها ونظرة أفراده الدونية لهذه اللغة التي انعكست على الطلاب وعلى تقديرهم لها.

إنّ فروع اللغة تدرّس بطريقة ممنهجة تنمي عند التلميذ القدرة على التحليل والنقد البناء والتعبير كتابياً وشفهياً بطلاقة وجرأة كما تدرس مادتي الإملاء والقواعد بأسلوب ممتع توظف في شرحهما استراتيجيات ناشطة تنمي لدى التلميذ القدرة على توظيفهما في كتاباته من دون تعقيد بالرغم من كثافة منهج القواعد وصعوبته.

إن تقييم فروع اللغة العربية في مدارس المبرّات مبنيّ على معايير ومؤشرات ترصد أدقّ التفاصيل في أداء التلميذ ليتمكن المعلم من رصد الثغرات والعمل على دعم التلميذ ومساعدته لتخطي عثراته. وللتقييم في المبرّات أنواع وطرق وأدوات نحتاج إلى صفحات لذكر تفاصيله.

الأنشطة الصفية المرافقة
ويترافق مع فروع اللغة العربيّة الأنشطة الصفيّة واللاصفيّة التي تعتبر هي الأقرب إلى قلب التلميذ وعقله لأنّه يفرغ فيها كلّ طاقاته وإبداعاته لا سيما إذا كان النشاط أدائيًا مثل (لعب الأدوار، إعداد مسرحية، إحياء يوم اللغة العربية العالمي، مباراة إلقاء الشعر وسوق عكاظ، القيام بدور الحكواتي، تعريف احتفال في مناسبة محدّدة، تنفيذ مباراة لغوية ..) وتأتي الأنشطة المركزية والخارجية لتبين لنا جدوى هذه الأنشطة ودورها في إبراز الطاقات المبدعة الواعدة بمستقبل زاهر، فالأنشطة الخارجيّة أثبتت ريادة المبرّات على مستوى تعزيز اللغة العربيّة في نفوس طلابها وتنمية قدراتهم الشفهية والكتابيّة.

وعملا بتوصيّة سماحة المرجع المؤسس السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه) حول ضرورة بناء انسان مثقف واعٍ لقضايا عصره أولت مدارس المبرّات المطالعة الأهمية اللازمة فأغنت مكتباتها بالكتب: (كتب أدبية، تاريخية، تربوية، دينية، موسوعات علمية، دواوين شعرية، قصص متنوّعة الموضوعات والمستويات، قواميس والمجلّات بأنواعها).

وأقامت معرضاً سنوياً مركزياً ومعارض أخرى في بعض مدارسها واستقبلت فيها العديد من دور النشر المعروفة، وشجعت طلابها على زيارتها والاستفادة من عروضاتها وشراء القصص والكتب التي يرغبونها وعلى هامش هذا المعرض يقام العديد من الأنشطة التي تبرز الطاقات المبدعة لا سيما في اللغة العربيّة.

ولتعزيز المطالعة أدرجت حصصها ضمن برامجها الاسبوعيّة وعمدت إلى تقييم ناتجها، كما رصدت الجوائز والحوافز لأكثر الطلاب قراءة للكتب المتنوعة، كما أشركت عددًا كبيرًا من طلابها في "مشروع التحدّي القرائي" ووصلوا إلى النهائيات بعد عدّة تصفيات.

إنّ ما ذكرناه هو جزء يسير من الأعمال التي تقام في مدارس المبرّات بهدف تعزيز اللغة العربية ومواجهة التحديات التي تواجهها منذ فترة طويلة واستطاعت هذه المدارس بإدارتها العامّة الحكيمة من مواصلة تقدّمها في الحفاظ على لغة القرآن وإن كانت الأمور لا تخلو من بعض الصعوبات والعثرات.

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل