15 Feb 2018
التربية من الداخل وليس من السطح الخارجي
التربية من الداخل وليس من السطح الخارجي

 
في أساليب التعلم الناجحة التي تترك أثرا لدى المتعلم، يسير المعلم والطالب إلى المعلومة والمفاهيم، بحيث يأخذ المعلم بيد التلميذ الذي يحس أنه يحتاج إلى المعلومة، فيبحث عنها، ويتفاعل في مسايرة المعلم، فيحس بلذة الاكتشاف، وتعيش معه المعلومة أكثر من الطالب الذي تم تقديم المعلومة له جاهزة. 
 
وهكذا الحال في التربية على الأخلاق والقيم والفضائل، حيث إنه من الصعب أن نعلمها بشكل خطابي مباشر، بل لا بدّ لنا من أن نشجع الطالب كي يكتشف عمقها وحاجته لها، فيصنع الحسن لا تمثيلا ولا تقليدا، بل قناعة. 
 
تعليم الأطفال يرتبط بأدب الطفل وفن الطفل، فكلما كان العمل الأدبي عميقا يحاكي داخل الإنسان وصلت رسائله إلى نفوس الأطفال. 
 
الأصل في التعليم هو النفس الداخلية، فإذا أحس الطالب أنه بحاجة لمعلومة ما ليوظفها، فإنه سيستمر في التعلم، وصولا إلى لذة الاكتشاف. وإذا أحس المتعلم بفائدة الخلق في الدنيا قبل الآخرة، فإنه سيتمثله لا خوفا من أحد، بل لأنه مقتنع بأهمية السلوك الحسن. 
 
لذلك فإن على أهل التربية والتعليم، وعلى أهل الإرشاد الديني والمواعظ، وعلى الفنانين والأدباء العاملين في أدب الطفل وفن الطفل، أن يبحثوا عن وسائل عميقة التناول بعيدا عن السطحية التي تجعل الطفل مجالا للتعليم. 
 
إن تقييمنا للتعلم ما زال يعتمد على المحفوظات في اللغة والدين والأدب، حتى غدا الطفل الذي يحفظ موضوعات جاهزة هو أصلح حالا من غيره، علما أنه ليس بالحفظ وحده يحيا الإنسان. 
 
إن توظيف الإبداعات الموجودة في التعلم والتعليم في مجال الأخلاق والقيم والدين لا بدّ أن يحدث أثرا طيبا وعميقا تجاه الحياة. 
 
نحتاج أن تكون مخرجات التربية والتعليم والثقافة والفنون والإعلام والتربية الدينية مخرجات إنسانية في الدرجة الأولى، والمخرجات الإنسانية لا تعني الاقتصار على الجانب الرقيق والفاضل فقط والحسن، بل والتفكير العميق، حتى لا نكرر أنفسنا ونعيد ما أنتج السابقون من أفكار ومشاعر. 
 
أتأمل ما قاله جبران خليل جبران "أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة، والحياة لا تقيم في منزل الأمس"، فتخطر ببالي طفولتي وطفولة تلامذتي وطفولة أقربائي ثم أبنائي، فماذا أرى؟ عبثا يحاول الكبار تكييف الصغار على مقاييسهم وأذواقهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم.. والسبب واضح أن الأطفال يتعلمون من واقع حياتهم، والسياقات التي يحيون فيه، وهنا يتجلى الإبداع: كيف أربي الطفل باتجاهات قيمية ووطنية وفكرية وأخلاقية ومعرفية من خلال توظيف العناصر والبيئة التي وجد الطفل نفسه فيها؟ 
 
إن ما ذكرته هنا ينسجم أيضا مع ما نصح به سيدنا علي بن أبي طالب، الخليفة الراشدي الرابع، الذي إنما صدر نصحه عن تربوي حكيم طال تأمله في الحياة، فتجاوز التربية العربية السائدة، إلى آفاق رحبة، ماذا قال؟ " ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم"، باعتبار أن الجيل الجديد مخلوق لزمن آخر غير زمن الكبار، فهل نقوم بتربيتنا وما نقدمه لهم من أدب وثقافة وإعلام وفن قد وضعنا في اعتبارنا متطلبات عيشهم المستقبلي؟ 
 
بنظري أهم ركن تربوي يمكن أن نعلمه للأطفال إلى جانب المهارات والمعارف اللازمة لهذا العصر هو التفكير والشعور، حيث لا يجب أن نسعد حين نجدهم يفكرون مثلنا ويشعرون مثلنا، لأنهم سيكرروننا، وليس هذا هو المطلوب، المطلوب أن يستخدموا عقولهم في التفكير والتحليل والفهم الخاص، ثم بعد ذلك لا ضير إذا توصلوا إلى نتائج تشبه نتائجنا نحن التي وصلنا إليها. 
 
وأفضل التربية والفن والأدب والإعلام ما حاكى شيئا داخل الطفل، فلا يكتفي المعلم بتقديم المعرفة مجردة، وعامة، لأن الطفل هنا قد يحفظها لكنها لن تكون فعلا ضمن بنيته الفكرية والإنسانية، فأسلوب التعلم هو تعليم بحد ذاته يمارسه الطفل، فإننا لا نعلم معرفة معينة، بل إن أسلوب تعليم تلك المعرفة سيكتسبه الطفل في تعلمه خارج الصف، وقس على ذلك عملية الشعور النفسي، التي من الضروري ألا ندفع الطفل ليحس كما نريد، بل أن نشاركه المعرفة ثم يكون هو شعوره الخاص، حتى لا يمثل علينا لحظة ثم يهزأ منا بقية اللحظات وهي كثيرة. 
 
العربي الجديد
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل