محاور العمل

 
التربية الإدماجية

920  مشاهدات
#
لا يخفى أن عائلة مدارس جمعية المبرات الخيرية كانت السبّاقة دومًا لِنَهلِ كل جديد في النظريات التربوية، وكانت- ولازالت- تجنّد الطاقات والكوادر للتعرف إلى تلك النظريات، عبر التدريب والتأهيل لكوادرها، ومن أهم النظريات التربوية التي أسست لأرضية صالحة للتربية الإدماجية، هي "التربية الشمولية- التكاملية"، التي تقدم للتلميذ المواد الدراسية المختلفة المجالات النمائية والتعلميّة بشكل متكامل فيما بينها؛ فكانت فرصة تأهيلية عملية للكادر الفني- المعلمات- للتمرس في التخطيط والتنفيذ والتقييم لعملية التداخل المطلوب بين أهداف هي المواد الدراسية، وغرسها في أذهان وتجربة التلامذة، فتنمّي لديهم المهارات العليا للتفكير- التحليل والتركيب والتقييم- وليس فقط المعرفة والحفظ والتطبيق، ويصبحون مخوّلين- ولو بالحد الأدنى- من فهم الترابط بين الظواهر البسيطة المحيطة بهم.

كان التمرس على مدى أكثر من 10 أعوام في اتباع التربية التكاملية، السّماد الأوَّلِي الذي ساعد الكوادر الفنية في إدراك فلسفة المقاربة بالكفايات، وتطبيق التربية الإدماجية؛ التي تخطّت فلسفتها مستوى التداخل بين الأهداف، وتقييم المكتسبات التعلمية بطرق قياس كانت بمعظمها تُجرى على شكل اختبارات، يفرّغ فيها التلميذ ما فهمه وحفظه وطبّقه من تلك الأهداف المتداخلة، أو كانت أحيانًا تُقاس عبر أنشطة ومشاريع تطبيقية، يقدمها التلاميذ بشكل دوريٍّ دون ربط عملية القياس بشكل واضح بهدفية التداخل المُقاس، فظلّت أهداف التعلّم لدى التلامذة بعيدة إلى حدٍّ كبير- إن لم نقل أنها كانت مبهمة- عن إدراك جدواها في حياتهم، وكانت التعلم للتعلم فقط. ولكن.. وبعد دراسة واقعية في "بلجيكا"، كان هدفها توظيف التعليم ليكون تهيئة للحياة، فكانت نتائج الدراسة بروز نظرية التعلم حسب المقاربة بالكفايات، وبعد أن طُبِّقَت في الدولة العربية الوحيدة- المغرب- منذ أكثر من عشرة أعوام، برزت تباشير المولودة الجديدة في لبنان، بعد أن أطلقها المركز التربوي للبحوث والإنماء، عبر تدريب على مدى سنتين، وعلى مستوى الوطن، ومن قبل خبراء كانوا مساهمين في انطلاقة المقاربة بالكفايات منذ نشأتها في "بلجيكا". وكالعادة، تلقّفتها جمعية المبرات الخيرية، وشاركت في التدريب المركزي مجموعتان من كوادرها من مختلف مؤسساتها التعليمية، ممن تمرّسوا على التربية التكاملية، تلك الأرض الخصبة.

وكانت القيمة المضافة تلك القيمة التي تمحورت في "أن يدرك المتعلّم هدفيّة التعلّم بحد ذاته"، لا أن يتعلّم للتعلّم فقط. حيث كانت العملية التعليمية- التعلّمية تجيب عن سؤالين لا يخلوان من الأهمية. السؤال الأول؛ "ماذا أتعلم؟"، وإجابته؛ "محتوى" المواد المقررة في العام الدراسي، والموجودة بشكل أساسي في المنهاج التعليمي، وأدواته المتعارف عليها كالكتاب مثلاً.

والسؤال الثاني؛ "كيف أتعلم؟"، وإجابته، "الطرائق" المتبعة لتعليم "المحتوى" من قِبَل المعلّم، أو تعلّمه من قبل التلميذ، وينضوي تحته ما نعرفه من أساليب التعلّم النشط على اختلاف أنواعها. ولكن..... لم يكن هذان السؤالان كافيين لتهيئة المتعلم للحياة- إن سلّمنا أن التعليم هو القطاع الأهم في بناء المجتمع- والمجتمع= حياة. السؤال الأنسب الذي يكمِلُ المثلث التهييئي للحياة لدى المتعلم- والذي لطالما سألنا أنفسنا سابقاً، ما الجدوى من علم المثلثات، أو التاريخ أو الجغرافيا- هو سؤال "لماذا أتعلم؟".

وكانت الإجابة الفصل عن سؤال "لماذا أتعلم؟" هو ما جاءت به "المقاربة بالكفايات"، أو المعروفة باسم شهرتها "التربية الإدماجية"؛ وفكرتها العملية باختصار، هي بناء المناهج التعليمية حسب الكفايات (الكفاءات والقدرات) التي بنمائها لدى المتعلم وحسب خصائص مرحلته العمرية، ستخوّله من التكيف الحقيقي مع واقعه؛ ذلك الواقع المترابط، المتطلّب لمهارات حياتية حقيقية لفهم الظواهر، وتحليل مكوناتها، والتهيؤ لحل المشكلات التي يمكن أن تصادف هذا "المتعلم" خلال مسيرة حياته، فتكسبه خبرة متراكمة من مجموع الوضعيات الحياتية المصطنعة أو الحقيقية داخل المدرسة، ومن تلك الخبرات، تُبنى لديه نواة "الحكمة" المطلوبة، ليتعامل مع "الحياة" بكفايات تتناسب ومرحلة عمره، وبحسب معطيات الواقع، والقيم الإنسانية الاجتماعية المتوخّاة.