عن المؤسس

الرّؤية الشّاملة

586  مشاهدات
بقي السيّد فضل الله يعيش حالة التلمّذ الدائم في ساحات العلم والمجتمع، متعمّقاً في قراءة الواقع بكلّ جوانبه، حتّى امتلك رؤيةً شاملةً مكّنته من استيعاب مفردات العلم والحياة والربط بينها بطريقة مبدعة، وقد تحدّث السيّد فضل الله عن تجربته العلميّة بقوله

إنّني أعيش التلمّذ الدائم على الحياة كما أتلمّذ على الكتب، وعلى الأساتذة. كنت أقرأ الفقه في الحياة، باعتبار أنّ الفقه هو التّشريع الذي يتحرّك من أجل تنظيم شؤون الناس، ومن أجل استقامة درب الحياة: {يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[الأنفال: 24]. وكنت أقرأ العقيدة في التأمّلات العقليّة من خلال قراءتي للقرآن، وكنت أقرأ الحياة على أساس ارتباط ظواهرها الحركيّة مع بعضها البعض، فكنت لا أقرأ الجانب الاجتماعي بعيداً عن الجانب السياسيّ، ولا أقرأ الجوانب السياسية والاجتماعيّة بعيداً عن الجانب الاقتصادي؛ وهكذا لا أقرأ الحاضر بعيداً عن الجانب التاريخي وعن تطلّعات المستقبل. لذلك لم أعش التجزيئيّة التي تجعل الإنسان ينفصل عن الجوانب الأخرى عندما يستغرق في جانب معيّن.. كنت أحاول أن أدخل الحياة بكلّ حيويّتها، وبكلّ جوانبها، لأجد الخطّ الرابط بين هذا الجانب وذاك الجانب

المدرّس الدائم
لم يتوقّف السيّد فضل الله يوماً عن التدريس، باعتباره ضروريّاً للتنمية العلميّة بقدر ما هو حاجة للطلاّب. يقول السيّد في هذا المجال
إنّي كنتُ في النجف مدرّساً للسطوح العالية، وكان الناس ينظرون إليّ نظرة الشخص الذي يملك الثقافة الفقهيّة والأصوليّة العالية، بالمستوى الذي كان فيه يدرّس (المكاسب) و(الرسائل) و(الكفاية)؛ حتّى إنّ السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر(ره) طلب منّي تقرير بحثي للسيّد الخوئي(ره) ليُطلع عليه السيّد الخوئي، ليعرف أنّ في العرب فضلاء؛ لأنّ السيد الخوئي كان لا يعتقد أنّ في العرب فضلاء ـ كما ذكر لي السيّد الشهيد ـ. وقد تناقل الناس عن السيد الشهيد كلمةً لم أسمعها منه ـ لأنّها كانت بعد خروجي من النجف : إنّ من يخرج من النجف يفقد النجف، ولكنّ السيّد فضل الله بخروجه خسرته النّجف.. وأستطيع أن أقول إنّني عندما كنتُ في النّجف، كنت أخطو نحو الاجتهاد
ثمّ أسَّستُ حوزةً علميّة من أوّل سنة جئت فيها إلى لبنان، وكنتُ أدرّس الرّسائل والمكاسب والكفاية، وأجود التّقريرات للسيّد الخوئي(ره) مع حاشيته، كما كنت أدرّس بداية المجتهد ونهاية المقتصد الّذي هو كتاب استدلاليّ مختصر لابن رشد القرطبي في مذاهب السنَّة، ثمّ درّست بحث الخارج منذ أكثر من خمس وعشرين سنةً، ولا أزال أقوم بتدريس الخارج فقهاً وأصولاً لمدّة قريبة، ثمّ فقهاً فقط منذ سنتين وأكثر، وأنا لا أزال أدرّس الفقه في البحث الخارج في لبنان في مدى أربعة أيّام، وفي سوريا في مدى يومين، ويحضره الكثيرون
إنّني أعتبر أنّني، في نشاطي العلميّ الفقهيّ الأصوليّ الاجتهاديّ، أكثر ممّا فيه الآخرون، في النّجف أو في قمّ؛ لأنّه ليس عندي وقت فراغ، وليس عندي وقت راحة.. البعض يعيشون الاسترخاء الّذي لا أفهمه، ويعطون أنفسهم الكثير من الرّاحة الّتي لا أفهم
إنّ حياتي كلّها عمل؛ قراءة دائمة، وتدريس دائم، ومذاكرة دائمة، وحوار دائم، فأنا أعيش حياتي مع الكتاب، ومع الدّرس، ومع المسجد، ليس عندي حياة اجتماعيّة بالطّريقة الّتي تأكل وقت الإنسان
لذلك، لا أدري ما هو حجم إنتاجي، ولكنّي أعتقد أنّني من النّاس الّذين يعيشون الإحساس بالزَّمن؛ فأنا أحسّ بكلّ دقيقة من الدّقائق التي تمرّ عليّ، أن أملأها فكراً، أو كتابة، أو مشروعاً، أو حركةً
ولأنّ المعرفة لا تختزل في جانبٍ دون آخر، فقد وسّع السيّد فضل الله، منذ أن كان في النّجف الأشرف، دائرته المعرفيَّة، لتستوعب شؤوناً فكريّة واجتماعيّة وسياسيّة وأدبيّة؛ لذا لم يقتصر اهتمام السيّد الثقافي على البرنامج الرسمي للحوزة، أي الفقه والأصول، فكان يحضر الدّروس المتنوّعة خارج الفقه والأصول، كالتفسير والفلسفة وغيرهما. كما انفتح على الفكر والأدب العربيّ المعاصر عبر مجلّة المصوّر المصريّة، ومجلّة الرّسالة (لحسن الزيّات)، ومجلّة الكاتب المصري (طه حسين)، وبعض المجلات اللّبنانيّة الّتي كانت تصل إلى النّجف بين وقتٍ وآخر، وكذلك الصّحف العراقيّة، وانفتح على الفكر الغربيّ عبر التّرجمات المتاحة آنذاك لمفكّرين غربيّين في مختلف قضايا الفكر؛ وهذا ما أمّن للسيِّد أفقاً واسعاً في فهم روح العصر، والتّعاطي معه على هذا الأساس

أصدر السيِّد مع ابن خالته السيّد مهدي الحكيم مجلّة الأدب الخطّيّة، وكانت توزّع بحسب الاشتراكات، وقد تولّى السيّد كتابتها بخطّه
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
Fadlullah
Fadlullah