عن المؤسس

السيّد شاعرا

394  مشاهدات
بدأ نشاط السيّد فضل الله الفكريّ يبرز منذ أن كان في النّجف الأشرف، حيث تركّز ذلك في ميدانين أساسيّين

كتابة الافتتاحيّة الثانية في مجلّة الأضواء الّتي كانت تعبّر عن تطلّعات الحركة الإسلاميّة، وذلك تحت عنوان "كلمتنا"، حيث كان السيّد يطرح معالجاته ورؤيته للمواضيع المتنوّعة الّتي تؤسّس للوعي المعاصر للإسلام في جُملة من القضايا الّتي كانت تفرضها المرحلة آنذاك، وقد جُمعت هذه المقالات في كتاب " قضايانا على ضوء الإسلام"
المشاركة في النَّدوات واللّقاءات مع الاتجاهات غير الإسلاميَّة في قضايا الفكر والعقيدة، ولا سيَّما مع المدِّ الثقافيّ الّذي أطلقه الفكر المادّيّ الإلحاديّ آنذاك، في العراق وفي لبنان وغيرهما
:بعد مجيئه نهائيّاً إلى لبنان، أخذ السيِّد فضل الله دور المنظّر الفكريّ عبر

تأصيل المفاهيم الإسلاميّة المتعلّقة بمختلف قضايا الحياة لدى الإنسان المعاصر، ما فتح الباب لدخول الإسلام إلى العصر من بابه الواسع والمتين، وقد كانت هذه المفاهيم تصدر في كرَّاساتٍ بعنوان "مفاهيم إسلاميّة عامّة"، وكان لها أثرها البالغ في تنشئة الجيل المسلم
الإصدارات الفكريَّة الّتي كانت تغطِّي حاجات السَّاحة، وتحاول الإجابة عن الإشكاليَّات الّتي يفرزها العمل الخاضع لتجاذباتٍ عديدةٍ أو لسياقاتٍ قد تحرفه عن الأصالة الإسلاميَّة لدى الجيل الإسلاميّ الحركيّ النّاشئ، بما كان السيِّد يخطِّط فيه لحركة المستقبل ولا يستغرق في اللّحظة الحاضرة. ما يدل ّعلى ذلك، أنّه وفي خضمّ الحرب الدّاخليّة اللّبنانيّة، والّتي كانت الدّماء فيها تسيل أنهاراً بفعل التعصّب الطائفيّ والغرائزيّة المجنونة، كان السيِّد يكتب "الحوار في القرآن"، وكتب "الإسلام ومنطق القوّة"، لينظِّر لأبعادٍ تتجاوز المرحلة، وتضع أمام القرَّاء القاعدة الإسلاميَّة في العلاقة مع الآخر، وفي إدارة عمليّة القوَّة وصناعتها وحركتها، وكتب السيِّد كتابه التأسيسيّ للعاملين "خطوات على طريق الإسلام"، كما كان قد كتب وهو في النّجف كتابه الأوّل: "أسلوب الدّعوة في القرآن"، ليركّز القواعد الفكريَّة لحركة الدّعوة الإسلاميّة التي اضطلع بها منذ نعومة أظافره
كتابة المقالات الفكريَّة المعمَّقة الّتي كانت تواكب نشأة الحركة الإسلاميَّة في لبنان، وتنظِّر لتحدّياتٍ كان يرصدها السيِّد عبر استشرافه للمستقبل، وتحتاج إلى تقديم معالجات فكريَّة وشرعيَّة لها. وقد كان سماحته يكتب في مجلَّة "الحكمة"، وقد جُمعت مقالاته في المجلَّة في كتاب "مع الحكمة في خطّ الإسلام"، وفي مجلّة "المنطلق"، وقد جمعت بعض مقالاته فيها، في كتاب "الحركة الإسلاميّة همومٌ وقضايا"
حلقات الحوار الفكريّ الّتي كانت تُجرى مع السيّد في الأندية الثقافيّة والجامعات والحوزات، أو عبر المقابلات الصّحافيَّة، حيث لم يكن يترك مناسبةً إلا ويعرض فيها الرّؤية الإسلاميَّة للحياة، وللقضايا المطروحة، في سبيل تأكيد فكرة أنَّ الإسلام مواكب للعصر، مرتكزاً في ذلك على اجتهادٍ متميّز، يقرأ النَّصَّ كما لو كان ينزل عليه، بمعزلٍ عن ركام الشّروح الّتي يستفيد منها، ويبني عليها، وينطلق منها، من دون أن يغرق في غمراتها، بما يُبعد فكره عن الاستقلاليَّة
المؤتمرات الّتي كان يُدعى إليها السيّد شرقاً وغرباً؛ وفيها كان يبرز خطابه غير الاستهلاكيّ، بل كان يطرح القضايا من موقع الجدّة، بما كان يدفع القائمين على المؤتمرات إلى تبنّي ورقة السيِّد بالكامل عند صوغ مقرّرات هذه المؤتمرات
الاحتفالات المتنوّعة الّتي كانت تشكّل للسيِّد منبراً فكريّاً يتحرَّك على أساس تثقيف الأمَّة بالفكر الأصيل الواعي
وعلى قاعدة "طبيبٌ دوّار بطبّه"، كان السيِّد يستغلّ كلّ مناسبة اجتماع، ومنها السَّهرات المسائيَّة الّتي كانت تضمّ عدداً من العاملين في الحقل الإسلاميّ العام، ليمنح الفكر الإسلاميّ للواقع المتعطّش لمعرفة قواعده، بما يضمن سلامة الحركة في غمرة التحدّيات

ومن الواضح للمتتبّع، أنّ حركة السيّد الفكريّة كانت عنوان شخصيَّته، ولم تنطلق شخصيّته كمفكّرٍ لتحجز نفسها في إطار المؤتمرات الّتي تضمّ النّخب الفكريّة والثّقافيّة، بل انطلق كمفكّرٍ يطرح فكره في كلِّ موقعٍ بالمستوى والشَّكل المناسبين، فكان منبر المسجد منبراً فكريّاً، وكذلك المنبر الحسيني، والمقابلة الصّحافيّة، والاحتفالات وما إلى ذلك، بما شعر معه الجيل الّذي واكبه طوال سنوات التَّأسيس، بأنَّ سماحته يكاد يقدِّم إليه كلَّ شيء ممّا يحتاجه العاملون على مستوى القاعدة والتّخطيط والحركة، كما كان يؤمّن له الرِّعاية على مستوى متابعة الواقع. ولذلك، يرى البعضُ أنَّ الواقع الفكريّ الّذي عاشه الإسلاميّون، مدينٌ ـ بالخصوص ـ للمرحلة الممتدَّة منذ أواسط الستيّنيات إلى أواسط التسعينيات، لتعيش الحالة الإسلاميّة بعد ذلك تراجعاً ثقافيّاً، نتيجة محاولات النّيل من السيّد فضل الله على إثر إعلانه مرجعيّته الفقهيَّة

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ استشهاد السيِّد محمَّد باقر الصَّدر في العام 1980م، جعل من السيِّد ـ في موقعه الفكريّ ـ المرجعيَّة الفكريَّة والحركيَّة الوحيدة للعاملين المنتمين إلى حزب الدّعوة الإسلاميّة الّذي أسّسه الشّهيد الصّدر، وكان السيّد يواكبه بالتَّنظير الفكريّ منذ التَّأسيس في العراق، فتحمّل(ره) مسؤوليَّة الإشراف والتَّوجيه لمسيرة العاملين من موقعه الّذي يحتفظ فيه بمساحةٍ بعيدةٍ عن الانتماء إلى التَّنظيم الحزبي، مواكباً تلك المسيرة في الوقت عينه

في موازاة كلّ ذلك، كانت حركة السيِّد الفكريَّة تتجاوز لبنان، ليطلَّ(ره) على الجاليات الإسلاميّة في الشّرق والغرب؛ فكان له في المؤتمرات الفكريّة الموقع المتميّز، ومن بين البلدان الّتي زارها في هذا المجال: الهند وباكستان وإيران والجزائر وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وغيرها من البلدان، وكان لزياراته لبلدان الاغتراب والهجرة، الصّدى الكبير في تعريف الجالية المسلمة على الإسلام المنفتح على قضايا العصر، والمنطلق من عمق الأصالة الّتي يمثّلها القرآن الكريم والسنَّة الشّريفة
نظم السيّد فضل الله الشعر في سنّ مبكرة جدّاً (10 سنوات)، وتحرّك في تجربته الشعريّة حتّى أصبح نجمه لامعاً في الاحتفالات الأدبيّة التي كانت تُعقد في النجف وغيرها
تميّز شعره بالجدّية في مواضيعه، فكان للعشق الإلهيّ حيّز مهمّ، إضافةً إلى القضايا الإسلاميّة الكُبرى، وكان من أبرز ذلك، ما ألقاه السيّد فضل الله في أربعينيّة السيّد محسن الأمين، في بيروت، وكان عمره 16 عاماً، وهي قصيدة مهمّة دعا فيها إلى الوحدة الإسلاميّة ونبذ التعصّب والطائفيّة، في دلالة على أفقه الإسلاميّ والفكريّ آنذاك
قال المؤرّخ السّيد حسن الأمين لأحد مساعدي السيّد: "لو تفرّغ سيّدك للشعر، لأصبح أفضل شاعر عند العرب"
:خطيب المنبر الحسيني العلاّمة الشاعر الشيخ أحمد الوائلي، يكتب للسيّد فضل الله قصيدة، عندما بعث إليه ديوانه "قصائد للإسلام والحياة"، ورد فيها
قرأتُك في هذا جَميعاً فبانَ لي بِأنّكَ كَوْنٌ لخَّصَتْهُ سُطورُ
تلقّ السيّد فضل الله بعض النّقد في النّجف تجاه تجربته الشعريّة، بحجّة أنّ ذلك يؤثّر سلباً في تحصيله العلميّ، فلجأ إلى عمّه الفقيه السيّد محمد سعيد فضل الله(ره)، الّذي أشار إليه أن لا يعبأ بذلك؛ لأنّ الذّوق الأدبيّ يمثّل حاجةً مهمّة للاجتهاد الّذي يتوجّه إلى النصّ العربيّ (القرآن والسنَّة)
ويذكر السيِّد فضل الله أنّ الشّعر لم يمثّل لديه انشغالاً عن تحصيله؛ لأنّه ينظم الشّعر مترسّلاً، فيكتب عشرات الأبيات في بضع دقائق، أي أنّه يكتب شعراً كما يكتب نثراً في فكرةٍ معيّنة، وربّما يعكس شيئاً من ذلك، قول السّيد حسن الأمين الآنف الذّكر
ومن الطّرائف الّتي يذكرها السيّد، أنَّه كتب قصيدةً طويلةً في الحجّ وهو على ظهر الحافلة
صدر للسيّد فضل الله أربعة دواوين شعريّة، هي: "على شاطئ الوجدان"، "قصائد للإسلام والحياة"، "يا ظلال الإسلام ـ رباعيّات"، والديوان الأخير "في دروب السبعين"
:لم يكن شعر السيّد إلا كما كان هو؛ رساليّاً، وكان آخر بيتين فاضت بهما روحه قبل أربعين يوماً من وفاته، في غمرة الآلام والأرق الّذي لازمه خلال الفترات الأخيرة من مرضه
أنا حَسْبي إنْ تَغَشّاني الدُّجى في ظَلامِ اللَّيْلِ آهاتُ جُروحي
فالْتِفاتاتُ حَياتي فِكْرَةٌ سَوْفَ تَبْقى حُلُماً فَوْقَ ضَريحي

سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
Fadlullah
Fadlullah