عن المؤسس

المرجعيّة الفقهيّة

400  مشاهدات
لم يكن يدور في اهتمام السيّد فضل الله مسألة تصدّيه للمرجعيّة الفقهيّة، وكان يعبّر دائماً للمحيطين به: "ما معنى أن يكون لديك مقلّدون من الناحية الذاتيّة؟!"

ولعلّ أفضل من يعبّر عن تلك المرحلة هو السيّد نفسُه، حيث يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه: أمّا المرجعيّة، فأنا لم أفكّر بالمرجعيّة، ولكنّها فكّرت بي. لم تكن المرجعيّة طموحي، وإن كنت أجد نفسي أهلاً لها، لكنّي كنت أفكّر أنّ التقاليد الإسلاميّة الشيعية تجعل المرجعيّة في داخل الحوزات، في النجف أو في قمّ، ولم تكن المرجعيّة في العصر الحاضر كما كانت؛ تتبع بلد المرجع، فقد تكون في الحلّة، وقد تكون في النّجف، وقد تكون في أصفهان، وقد تكون في قمّ، ولكنّها بحسب التقاليد المرجعيّة، أصبحت في النجف وفي قمّ. ولذلك، كنت أقول للّذين يطلبون منّي ذلك، إنّ لبنان ليس مركز المرجعيّة، ولذلك لا أجد ضرورةً للمرجعية؛ لأنّ همّي أن أخدم الإسلام أكثر، ولا تزيد المسألة ـ في خدمة الإسلام ـ أن يكون هناك من يأخذ بآرائي أو لا يأخذ بآرائي. ولكنّها فُرضت عليّ، حيث رجع إليّ الكثير من الناس ـ بالرّغم من أنني كنتُ أقول لهم إنّي لست مرشّحاً للتّقليد ـ حتّى إنّني إلى وقتٍ متأخّر، كنتُ أشير إلى بعض المراجع المعاصرين ممّن لم يرضَ الكثيرون من النّاس بإشارتي إليهم، وأعتقد أنّ بعض المرجعيّات المعاصرة كانت على أكتافي بنسبة كبيرة جدّاً

وقد رأيتُ أنّ المراجع قد يعيشون في دائرة مغلقة، بلحاظ ظروفهم الخاصّة، أو بلحاظ تقاليد المرجعيّة التي لا تسمح للنّاس بالدّخول معهم في نقاشات في كثير من القضايا، ورأيت حاجة النّاس إلى مرجعٍ يتّصلون به في اللّيل والنّهار، ويقرأون آراءه السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بحيث يملأ الفراغ؛ لأنّ المرجعيّات المعاصرة ـ مع كلّ احترامي لها ـ لا تملأ كثيراً من فراغ الجيل المعاصر من النواحي العامّة.
لذلك، وجدتُ قبولي للمرجعيّة التي فُرضت عليّ مسؤوليّة شرعيّة، وقد رأيت منذ ذلك الوقت حتّى الآن الكثير من الإيجابيّات في مسألة ثقة الشباب بالمرجعيّة؛ لأنّني أعيش في اللّيل والنّهار من خلال الاتّصالات الهاتفيّة، واللقاءات العامّة، والاستفتاءات، والإنترنت، وما إلى ذلك، مع الناس. لذلك إنّني لا أعتبرها امتيازاً، أو مسألة ذاتيّة، ولكنّها مسؤوليّة
وقد واجهتُ الكثير من التعسّف، ومن عدم التقوى، ومن الحملات الظالمة في هذا المجال، ولكنّي في الوقت نفسه، رأيت أنّ أكثر هذه الحملات تساقطت أمام كلّ هذا الامتداد الشعبي في العالم، وسقطت كلّ هذه الكلمات إلا القليل منها. ولذلك فلستُ نادماً على ذلك، ولست مزهوّاً بذلك
وإنّني أُشهد الله، أنّه لو جاءني شخص الآن وقال لي: لم يبقَ لك من يقلّدك، فإنّني لا أشعر بالفراغ؛ لأنّني لا أزال مشغولاً بالإسلام كلّه

وقد كان تصدّي السيّد فضل الله للمرجعيّة الفقهيّة سبباً مباشراً في شنّ حملة افتراءات على شخصه، بما يمسّ العقيدة والانتماء إلى خطّ أهل البيت(ع)، بما بات واضحاً من السّياق والأساليب والأدوات، أنّه لم يكن يستهدف النّقاش العلميّ الموضوعيّ، وإنَّما التّحطيم والتّشويه لأهدافٍ أخرى قد تتَّصل بطبيعة الصّراع الذي يشهده الواقع نتيجة اختلال موازين القوى لمصلحة شخصٍ يراه الآخرون عقبةً في وجه حركة معيَّنة.وقد حاول البعض، حتّى من زملائه، التّشكيك في مكانته العلميّة، وقد كان واضحاً للكثيرين الطابع السياسيّ الّذي كان يتحرّك في تلك المرحلة، في خفض هذا أو رفع ذاك. ويقول السيِّد في هذا المجال، مجيباً عن سؤالٍ حول هذه النّقطة بالتّحديد: إنّني لستُ بِدعاً من النّاس الّذين يشكّك بعض النّاس في اجتهادهم، ومن حقِّ إنسانٍ أن يقتنع أو يشكّك بطريقته الخاصَّة. فقد كنتُ أقرأ في بعض كتاب "قصص العلماء"، أنَّ هناك من كان يشكِّك في اجتهاد صاحب الجواهر في زمنه، أو في اجتهاد الشَّيخ جعفر صاحب كتاب "كشف الغطاء"، والكثيرين من العلماء الّذين أصبحوا رموزاً للاجتهاد المطلق في تاريخنا الاجتهادي، باعتبار أنّ المسألة لم تكن مسألةً موضوعيّةً، ولكنّها كانت في كثير من الحالات مسألةً ذاتيّةً

ثمّ إنّ المشكلة هي أنَّ النّظرة إلى القاعدة الاجتهاديّة تختلف؛ فالمطروح في أكثر الحوزات، هو أنّ الإنسان كلّما كان دقيقاً في المسألة الأصوليّة، والتي تطلّ على المسألة الفلسفيّة أكثر، كان مجتهداً أكثر.
بينما أفكّر ـ من خلال المنهج ـ أنّ الإنسان كلّما انفتح على الدقّة الفلسفيّة أكثر، ابتعد عن فهم الكتاب والسنّة أكثر؛ لأنّه سوف يفهمها بالطّريقة الهندسيّة، لا بالطّريقة العُرفيّة. وإنّني أتصوّر أنّ الإنسان الّذي لا يملك ثقافة اللّغة العربيّة، بنحوٍ يكون أديباً، أو قريباً من صفة الأديب، والإنسان الّذي لا يملك الثقافة القرآنيّة من خلال ذهنيّة المفسّر، من الصّعب أن يكون مجتهداً. إنّ المسألة أنّهم ينظرون إلى الاجتهاد بطريقةٍ لا أوافق عليها، كما أنظر إلى الاجتهاد بطريقةٍ لا يوافقون عليها؛ فالاختلاف في المبنى علماً أنّ تميّز السيّد فضل الله في هذا الإطار، قد سبق وأوردناه في الحديث عن مرحلة النّجف والدّراسة والتّدريس.والواقع أنّ محاولات ضرب ثقة النّاس بالسيِّد لم تكن مقصورةً على المرجعيّة، بل كانت هناك أصواتٌ وإن كانت خافتة ـ أيّام التجاذب لدى بعض الأطراف، بين مرجعيّة السيّد الخوئي(ره) ومرجعيّة السيّد الخميني(ره)، حيث كان السيّد يرى أنّ السيّد الخوئي أعلم فقهيّاً من السيّد الخميني(ره)، وكان هناك أطراف يسعون إلى توحيد القيادة والمرجعيَّة في إيران، مع أنّ السيِّد الخميني(ره) نفسه لم يكن يرى ذلك لازماً من النّاحية الفقهيّة، كان السيّد فضل الله من الدّاعمين لخطّ الثورة وكيانها الإسلاميّ، ولكنّه في المسألة الثقافيّة الاجتهاديّة، كان يرى الأعلميّة في موقع آخر

نعم، لا شكّ في أنّ الموضوع بلغ ذروته عند الإرهاصات الأولى لطرح السيّد مرجعيّته، وكان عنوان السيّدة فاطمة الزّهراء(ع)، هو محور الإثارة التي أخذت من الزّخم العاطفيّ والحالة العصبيّة المذهبيّة إوارها في هذا المجال. ولا تزال هذه الحملة الظّالمة على السيّد(ره) مستمرّةً على مواقع الإنترنت وفي بعض المواقع، مذكّراً حاله بما ناله جدّه أمير المؤمنين عليّ(ع) من استمرار سبّه على المنابر سبعين عاماً.لم تُثنِ هذه الحملات السيّدَ عن مواصلة مسيرته الفكريّة والاحتضانيّة، حتى للجهات التي انخرطت ـ فعلاً أو سكوتاً ـ عن هذه الحملات؛ لأنّ ثوابته المتعلّقة بحماية الإسلام فكراً وحركةً، كانت بمكان لا تقبل التّنازل.. ومع ذلك، كان لحضوره مع النّاس أثره البالغ؛ لأنّ السيِّد كان مرجعاً يعيش مع النّاس، ولا تفصله عنهم أيّة حواجز؛ وبذلك عرف كثير من النّاس طبيعة آراء السيِّد، وأدركوا أنَّ وراء الموضوع خلفيَّات غير فكريَّة وغير عقيديّة، وإنَّما تعقيدات قد تفرزها الحالات القلقة في إدارة الحركة الفكريَّة أو السياسيَّة في الواقع الإسلامي.

ومن اللافت في ذلك الوقت، أن اتّحدت على السيِّد جهات عديدة، لم يكن ليجمعها جامعٌ سوى محاولة إلغاء أو شطب هذه الشّخصيَّة من واقع التأثير، الذي بلغ مستوى من الحضور والقوّة والاستقلاليّة، شعر معه الكثيرون بأنّه مشكلة لأيّ طروحات أخرى. وقد بلغت التّعقيدات المرجعيّة إلى أنّ عدداً من الحركات الإسلاميّة الّتي احتضن السيّد مسيرة تنشئتها الفكريّة، وواكب صعودها الكبير، باتت تشعر بالحرج من طرح اسم السيّد في أيّ موقعٍ من المواقع؛ وبذلك تمّ تغييبه عن ساحتها الفكريّة والثقافيّة، فخسرت التّنظير الفكريّ والمواكبة الثقافيّة لتحوّلاتٍ كبيرةٍ لم يكن سوى السيّد ليملأ فراغها باتّزان وعمق.
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور شخصية
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
سماحة السيد فضل الله (رض) - صور قديمة
Fadlullah
Fadlullah