15 Jun 2015
شهر رمضان :شهر البناء الروحي والإيماني (خطبة الجمعة، حزيران (يونيو) 12، 2015)
شهر رمضان :شهر البناء الروحي والإيماني (خطبة الجمعة، حزيران (يونيو) 12، 2015)

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبة صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

نقرأ في سيرة نبينا الاكرم وقدوتنا وحبيبنا رسول الله(ص) أنه في آخر جمعة من شهر شعبان وقف خطيباً بالمسلمين، خطبة بناء وإصلاح للذات، خطبة اجتماعية وروحية وسلوكية بدأها ناصحا لهم، مذكّراً إياهم: "أيّها النّاس أنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشّهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل اللّيالي، وساعاته أفضل السّاعات، هو شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلُوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنّ الشّقي من حرم غفران الله في هذا الشّهر العظيم".

لم يكن رسول الله(ص) ينتظر دخول شهر رمضان، ليتحدث إلى المسلمين عن معاني الشهر، بل كان يبدأ بذلك منذ دخول شهر شعبان بدعائه: "اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان".. وفي دعوته المسلمين في آخر جمعة منه أن يتهيؤوا ويستعدوا للقائه والنيل من بركاته، لأن الشهر ليس شهراً عادياً في حساب الزمن.. هو علامة فارقة مضيئة فيه: أيامه أفضل الأيام وساعاته أفضل الساعات ولياليه أفضل الليالي وهو سيّد الشهور. وأي بركات هي أعلى وأفضل حين تتحول الأنفاس إلى تسابيح والنوم إلى عبادة، والدعاء كله مستجاب والعمل فيه مقبول والأجر مضاعف. ويكفي أن تفطر فيه صائماً حتى تحصل على مغفرة لما مضى من ذنوبك..

وأن تحسن فيه خلقك حتى تحظى بجواز على الصراط يوم القيامة..
وأن تخفف عن عمالك حتى يخفف الله عليك حسابه..
ولو أكرمت يتيماً فقيراً أكرمك الله..
فيما لو قرأت آية فكأنما قرأت القرآن كله..
أما الهبة الرؤوفة العطوفة في هذا الشهر فتكمن في الصلاة على رسول الله حيث من أكثر فيه من الصلاة على النبي(ص) ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين...

أيها الأحبة:

أيام قليلة ويحط بنا الرحال على ضفاف هذا الشهر، وأمام كل واحد منا أن يتوقف، ليأخذ إجازة نفسية على الاقل أو مسافة من واقعه وحياته واعماله وظروفه كلها.. فرصة لنسأل جميعاً أنفسنا بأي وجه سنلاقي هذا الشهر العظيم.. هل نلاقيه بوجوه مكفهرة لأنه سيحمل معه الجوع والعطش وتغيير روتين الحياة؟ هل نعتبره استثناءا ثقيلاً طارئاً، ونبدأ كما يفعل البعض بالعد العكسي لأفوله من أول يوم...أم نستقبله بفرح الظمآنين الذين يردون الماء وبسرور الجائعين حين يقفون أمام الطعام، وبهجة المتعبين العائدين من السفر والمسير؟ مثل هذه الأسئلة وغيرها، وكل على مستواه الشخصي، التي يجب أن نفكر فيها ونحن نتهيأ لهذا الشهر. ويبقى الاهم.. وهو أننا ونحن نطمع بكل هذا الثواب مما وعد الله به الصائمين ان نلتفت الى أن كل ذلك لا يتحقق الا بشرطه وبشروطه، كما هي كل السنن العبادية؛ الشكل نعم، ثم الكيفية والنوعية والجوهر، فعن الباقر(ع) قال: قال النبي(ص) لجابر بن عبد الله: "يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليلته وصان بطنه وفرجه وحفظ لسانه يخرج من الذنوب كما يخرج من الشهر، قال جابر: يا رسول الله ما أحسنه من حديث، فقال رسول الله (ص) وما أصعبها من شروط".

فأي الشروط هي التي تجعلنا نحظى بكرم الله في هذا الشهر؟

لقد أوضح الإمام الرضا(ع) هذهالشروط عندما قال لأحد أصحابه وهو أبو الصلت الهروي لما جاء يسأله وفي مثل هذا اليوم في آخر جمعة من شهر شعبان عما يقدم به على شهر رمضان فقال له(ع):

"يا أبا الصلت إنَّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه فتدارك في ما بقي منه تقصيرك في ما مضى منه، وعليك بالإقبالِ على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله عليك وأنت مخلصٌ لله عزَّ وجلَّ، ولا تدعن أمانة في عنقك إلَّا أدَّيتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلَّا نزعته، ولا ذنباً أنت ترتكبه إلَّا أقلعت عنه، واتّق الله وتوكَّل عليه في سرائرك وعلانيَّتك.. وأكثر من أن تقول في ما بقي من هذا الشهر: "اللهمَّ إن لم تكن غفرت لنا في ما مضى من شعبان فاغفر لنا في ما بقي منه، "فإنَّ الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النَّار لحرمة شهر رمضان".

أيها الأحبة:

لقد أراد الله سبحانه وتعالى لهذا الشهر أن يكون محطة لبناء الشخصية الإيمانية الواعية الفاعلة.. محطة للتزود الروحي والإيماني والأخلاقي بالخصوص، وذلك بهدف الحصول على الحصانة الأخلاقية لذواتنا والغنى الروحي لأنفسنا، بما يمنحنا القدرة على أن نقول كلمة لا عندما يريد الله منّا أن نقولها ونقول كلمة نعم عندما يدعونا إلى ذلك. وبذلك نبني شخصية لا تسقط أمام غرائزها وشهواتها ولا تخضع لعاداتها، ولا تهزمها ضغوط الحياة وابتلاءاتها، شخصية تميز بين المعروف والمنكر وتميز بين الحق والباطل شخصية ثاقبة البصر واعية مدركة لا تلومها في الله لومة لائم.

وهذا كله أيها الاحبة يستوجب أن نعد له برنامجاً متكاملا تُقرن فيه العبادات بالمعاملات.. ولعل هذا ما يميز شهر رمضان من غيره من المننناسبات الدينية .

فمثلاً في هذا الشهر لا يكتمل الصيام من دون الزكاة ولا تكتمل الصلاة من دون التواصل مع الأرحام، ولا يكتمل الدعاء من دون الإصلاح وفعل الخير. لهذا يعد شهر رمضان مدرسة نموذجية لفهم وتطبيق الايمان الذي هو عبادة وعمل لا ينفصلان.. وأخيراً ملاحظة أساسية، نعم.. شهر رمضان مناسبة تتكرر كل عام، ولكن البرنامج الذي يجب أن نعده لشهر رمضان يجب ألا يكون مكروراً وإلا كيف نتطور أو نتقدم في بناء شخصيتنا الإيمانية؟ لهذا المطلوب ان نرجع بذاكرتنا إلى ختام شهر رمضان المنصرم فنتذكر ما قصرنا فيه، أو ما كنا نرغب أن ننجز فيه ولم تسعفنا انقضاء أيامه.. وأيضا فلننظر إلى خريطة حياتنا الشخصية والإجتماعية وحتى التعليمية والعملية، ولنفكر كيف يمكننا استغلال جو هذا الشهر لتدعيم هذه الخريطة إلى الأمام، وليس ان يكون الشهر سببا للتجمد، نعيش فيه برنامجاً يتكرر آلياً هو هو، وتراه أحياناً منسوخاً، أسير الشكليات والاجتماعيات والاعراف والاستهلاك..

لهذا ومن موقع دور وعظمة هذا الشهر، يجب أن نعد البرنامج, برنامجاً للتواصل مع أرحامنا وجيراننا والمؤمنين، برنامجاً للعطاء وعمل الخير.. برنامجاً للتفكر والتدبر وتطوير الذات.. برنامجاً لأسرنا التي غالباً ما نغفل عنها.. برنامجا يلحظ نقاط الضعف في حياة كل منا، حيث يصبح البرنامج ببركة الشهر فرصة لتقوية الضعيف وتمتين القوي من حياتنا وحذار ان يكون برنامجنا كما يسعى الاعلام لجعله يقترن كلياً بالمسلسلات والسهرات أمام الشاشات، وأجواء التسلية واللهو وتقطيع الوقت وبذلك لا تخلو تلك السهرات من شبهات أو حرام احيانا كثيرة، او يختلط فيها الحرام بالحلال ولا من يميز.. علينا أن لا نسمح لأحد أن يأخذنا إلى حيث يريد.. أن نملك نحن خياراتنا وهذا يحتاج إلى إرادة ودقة في التنظيم..

من هنا أيها الأحبة لندخل في شهر رمضان دخول من يرون في هذا الشهر فرصة قد لا تتكرر.. فما يدرينا هل نحظى بأن نقبل على شهر رمضان في العام المقبل.. وليكن دعاؤنا إلى الله من قلوب صادقة، أثقلتها الهموم، وتريد أن تتخفف في ضيافة الرحمن:

"أللَهُمَّ اشْحَنْهُ بِعِبَادَتِنَا إيَّاكَ، وَزَيِّنْ أَوْقَاتَهُ بِطَاعَتِنَا لَكَ، وَأَعِنَّا فِي نَهَارِهِ عَلَى صِيَامِهِ، وَفِي لَيْلِهِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْكَ وَالخُشُوعِ لَكَ، وَالذِّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ.. أللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ كَذَلِكَ مَا عَمَّرْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، وَمِنَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ...".

وفي الختام، لا بدّ من أن نشير إلى أنَّ يوم الأربعاء القادم هو المتمّم لشهر شعبان، الذي سيكون ثلاثين يوماً، وبالتالي، فإن أول أيام شهر رمضان سيكون نهار الخميس، بناءً على المبنى الفقهي الذي يتبناه سماحة السيد(رض)، وهو الأخذ بالحسابات الفلكية.

أعاد الله هذا الشهر عليكم وعلى كلّ المسلمين بالخير والبركة والمغفرة، ونسأل المولى تعالى أن يعمّ الاستقرار والأمن كلّ ربوع المسلمين.

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة السيد علي فضل الله التاريخ : 25 شعبان 1436هـ الموافق :12 حزيران 2015م

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل