11 Aug 2017
متغيّرات الطاقة ومشهديتها المتبدلة في مطالع القرن الـ 21
متغيّرات الطاقة ومشهديتها المتبدلة في مطالع القرن الـ 21

 
إذا كنت ممن يهتمّون بمتغيّرات المناخ ويقلقون من الآثار الكوارثيّة لظاهرة تفاقم الاحتباس الحراري والارتفاع المستمر في حرارة الأرض، لا تجعل دماغك يتوقّف طويلاً أمام انسحاب أميركا من «اتّفاق باريس». لا يفيدك أيضاً تذكّر أنّه جاء محصلة مؤتمر أممي عن المناخ استضافته فرنسا في الأيام الأخيرة من العام 2015، وقبل سنة من نهاية الولاية الثانية للرئيس الديموقراطي باراك أوباما. من المستطاع القول إنّ شبح انسحاب أميركا منه كان بعيداً عن آفاق المؤتمر الذي عقد في عز صعود المرشحة الديموقراطيّة هيلاري كلينتون، المؤيّدة بشدّة لمكافحة الاضطراب في المناخ. وآنذاك، لم يكن مرجّحاً فوز المرشح الشعبوي دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركيّة، وهو كان مشهوراً بمعاداته «اتّفاق باريس». 
 
ربما الأجدى تذكّر أن المؤتمر الباريسي لم يتضمّن أي اختراق علمي في مجال الطاقة، وهي المعقد الرئيس في أزمة المناخ كلّها. وفي تلك الآونة، سادت أجواء من الحبور باتّفاق دول العالم كلّها (خلا سورية ونيكاراغوا) على خطط ملزمة قانونيّاً بمكافحة التلوّث بالغازات التي تساهم في تفاقم الاحتباس الحراري، خصوصاً تلك المنبعثة من الاعتماد على الوقود الأحفوري (نفط، غاز، فحم حجري...) في استخراج الطاقة. وبأثر من نشوة الاتّفاق، تناسى معظم الإعلام العام عالميّاً أن «مؤتمر باريس للمناخ- 2015» أخفق في مناحٍ حساسّة. وعلى رغم تقديم ما يزيد على 180 دولة خططاً تفصيليّة عن خفض انبعاث غازات التلوّث، إلا أنّ حرارة الأرض ترتفع بما يتراوح بين 2.7 و3.5 درجة مئوية عن نهاية القرن 21، ولو تحقّقت تلك الخطط كلّها فعليّاً، وهو أمر كارثي تماماً. كذلك أغضى الإعلام طرفه عن واقعة مؤلمة تتمثّل في فشل المؤتمر في تحقيق اختراق علمي ولو ضمن الحدّ الأدنى، في شأن علوم الطاقة الوثيقة الصلة بانبعاث غازات التلوّث. 
 
مبادرتان علميّتان معلّقتان! 
 
إنصافاً، هناك مبادرتان شهدتهما أروقة المؤتمر الباريسي كانتا على صلة بالطاقة، وهما لا تتشاركان سوى في كونهما وعداً وآمالاً معقودة على مستقبل التقدّم في علوم الطاقة! 
تتمثّل الأولى في تحالف نُسِجَ تحت رعاية بيل غيتس، المؤسّس الأسطوري لشركة «مايكروسوفت» العملاقة، يحمل اسم «تحالف لأجل اختراق في الطاقة» Breakthrough Energy Coaliation . وضمّ مجموعة من الدول الغنيّة التي تعهدت بتمويل كل شركة ناشئة في الطاقة إذا حقّقت اختراقاً علميّاً فيها. وتجسّدت الثانية في مبادرة رعاها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، تحت عنوان «الابتكار هو المهمّة» Mission Innovation. وجمعت المبادرة قرابة عشرين دولة (من بينها ثلاثة هي الأكثر تلويثاً للغلاف الجوي: الصين والهند والولايات المتحدة)، التزمت مضاعفة الأموال الحكوميّة في تمويل بحوث الطاقة النظيفة، لتصل إلى عشرين بليون دولار في العام 2020. ومع انسحاب أميركا من «اتّفاق باريس» في 2017، بات تحالف «الابتكار هو المهمّة» في مهب الريح، لأن واشنطن تضخ أموالاً حكوميّة كبيرة إلى بحوث الطاقة النظيفة، كانت قيمتها في 2015 قرابة 6.4 بليون دولار. وببساطة، إذا قرّر ترامب الانسحاب من ذلك التحالف أيضاً، يكون ذلك أشبه بالخاتمة الكئيبة، إلا إذا عوّضت الصين التمويل الأميركي. 
 
ويشجّع على التفاؤل بتحقّق ذلك الأمر، أنّ أوباما نجح في اجتذاب الصين إلى مبادرة ثنائيّة مع أميركا قوامها إنشاء مؤسّسة مختصة بالبحوث العلميّة المتقدّمة في الطاقة النظيفة. تحمل المؤسّسة التي انطلقت في 2009، اسم «المركز الأميركي- الصيني لبحوث الطاقة النظيفة» US- China Clean Energy Research Center (اختصاراً «سيرك» CEREC)، ويضم بحّاثة وجامعات وأكاديميّين من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين اللذين تعهّدت حكومتاهما تمويل المركز أيضاً. هل يوقف ترامب تمويل ذلك المركز؟ هل تعوّض الصين التمويل الأميركي في حال توقّفه؟ 
 
تبدّل تاريخي مستمر 
 
استطراداً، الأرجح أن يُذكر الربع الأول من القرن 21 علمياً باعتباره مقدّمة لــ «الانقلاب الكبير» (باستئذان قاموس رديء في السياسة)، في مشهد الطاقة عالميّاً، على رغم الجفاف العلمي في «مؤتمر باريس للمناخ». إذ شهدت سنواته ابتكارات مذهلة في مجال الطاقة، لا تقل عن انجازات علميّة كبرى شهدها الربع عينه في حقول علميّة اخرى. وفي ذلك الصدد، يستخدم مصطلح «الانقلاب الكبير» بمعنى الإشارة إلى لحظة الانتقال من مصدر للطاقة إلى آخر مختلف نوعيّاً عنه. ويرى البعض (ربما كانوا محقين) أن مثل ذلك الانقلاب لن يحدث قبل ختام القرن الـ21. بقول آخر، ربما يلزم الأمر القرن بأكمله كي ينقلب مشهد الطاقة عالمياً، فيبتعد عن الوقود الأحفوري، خصوصاً النفط والفحم الحجري. وليست مئة عام زمناً كثيراً إذا نظر إليها كمسار يؤدي إلى إحداث تغيير جذري في أساس الطاقة، وتبدّل المواد التي يستعملها البشر مصدراً أساسياً لها. لنتذكّر أن مادة الطاقة ومصادرها الأساسية، تغيّرت دوماً على مرّ الزمن. ووصولاً إلى نهاية القرن الثامن عشر، اعتمدت حضارة الإنسان على مصدر متجدّد للطاقة: الخشب ومشتقاته. ومع بداية القرن التاسع عشر، وكان عدد سكان الأرض يزيد قليلاً على البليون، انتقل البشر إلى الفحم الحجري، وهو مصدر قابل للاستنفاد. ومع بداية القرن العشرين، انتقلت البشرية إلى الاعتماد على النفط ومشتقاته كأساس للطاقة، مع استمرارها في الاستعمال الكثيف للفحم الحجري، إضافة إلى الطاقة النوويّة السلميّة. 
 
الحياة
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل