16 Sep 2017
كلمة المشرف الديني العام في المبرّات السيد جعفر فضل الله ضمن فعاليات المؤتمر التربوي السادس والعشرين"
كلمة المشرف الديني العام في المبرّات السيد جعفر فضل الله ضمن فعاليات المؤتمر التربوي السادس والعشرين"

 
عنوان المؤتمر التربوي: 
يُطرح المؤتمر التربوي السادس والعشرون- هذا العام- تحت عنوان: "الرعاية المهنية في المجتمع التربوي- احتضان وتمكين"، وهناك الكثير مما يقال في هذا المجال؛ لأن كل عملنا في الحياة يتصل- عمليًا- بهذه العناوين الثلاثة: الاحتضان، التمكين، والرعاية. فعندما نتحدث عن العائلة، الأخوة، الزمالة، أو عن المجتمع المحلي أو غير ذلك.. فإن في كل ذلك نوع من أنواع التربية والرعاية..لا بل إننا نجد أنه حتى بيئة اللعب لأطفالنا تشكّل مصدرًا تربويًا لهم، كما الإعلام الذي يمارس التربية بشكل أو بآخر، وغيرهما من المجالات الأخرى في حياتنا والتي تدخل تحت تلك العناوين الثلاثة التي شكلت عنوان المؤتمر، بشكل مباشر أو غير مباشر. 
 
إن عنصري الاحتضان والتمكين أشبه ما يكون بالتفاعل الكيميائية أو الفيزيائي بين الأجسام التي تقترب من بعضها البعض، كما وفي عالم الحرارة والبرودة، نجد الأجسام متفاوتة الحرارة بين البرودة والسخونة حين تقترب من بعضها البعض.. فإنهذا الاقتراب والاحتكاك سيحوّل حراراتها المتفاوتة إلى حرارة معتدلة متساوية في كلّ منها. 
 
وكذلك في عالم التربية، وإن كان الموضوع أعقد من ذلك؛ فلا خمود في الحرارة،وإنما هناك إبداع مستمر، فلن نصل إلى درجة حرارة متساوية، إنما سنظل نجد في عمليتي الاحتضان والتمكين زيادة التفاعل وزيارة منسوب الإبداع واستمرارية القيم التي نغذي بها الطرف الآخر..وبالتالي عندما يوجد إنسانٌيمتلك مواصفاتٍ معيّنة، فإنّ الاحتكاك بغيره في حيّز مكاني وزماني متفاعل سيؤدّي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تاثر ذلك الغير بهذه المواصفات. 
 
تعريف الرعاية المهنية: 
هي علاقة بين شخص راعٍ ذي قدرات وخبرات معينة تكون موضع اهتمام وتقدير من المرعيّ، بحيث يستفيد الطرفان من هذه العلاقة في نموّهم المهني: الراعي يقدّم الرعاية عبر الاحتضان والتمكين، والمرعيّ-المتلقّي يستقبل تلك الخبرات والقدرات التي يحتاجها. سواء أكانت هذه القدرات معرفية، قيمية، مهارية أم كانت اتجاهات نفسية، اجتماعية أو روحية. 
 
وعلى سبيل المثال، قد يمرّ الإنسان بحالة روحية جافة،فيأتي إلى العمل ويمارس نوع من التصحّر مع الآخرين! فالاتجاه الروحي أمر أساسي ومحوريّ؛ لأنه –وفق الرؤية الإسلامية- الإنسان ذو بعدين: بعدٌ مادي (قبضة من الطين)وبعدٌ روحي(نفخة من الروح). وهناك تفاعل دائم وحيوي بين هذين البعدين... ولا انفضال بينهما في حياتنا اليومية في كل المواقع. وهذا التفاعل هو الذي يمثّل معنى إنسانيتنا. 
 
وبتعبير آخر، فإن الرعاية المهنية هي عملية تفاعلية بين طرفين يمتلك أحدهما قدرات، خبرات ومهارات يحتاجها الطرف الآخر، يهتم بتحصيلها ويبذل جهده لإدراكها من الطرف الأول الذي- بدوره- يبذلها بكرم وتواضع وأمانة. ولولا هذه القيم الإنسانية الحاكمة بعملية التفاعل بين الراعي والمرعيّ من الكرم والسخاء وغيرها لحصل التضاد والتصادم.. 
 
والجدير بالذكر، أننا حين نتكلم عن هذه العملية، فإننا لا نتكلم عن عملية ذات اتجاه واحد من الراعي إلى المرعيّ-المتلقي، وإنما نتكلم عن تفاعل وتبادل حيوي مستمر، فالراعي حينما يعطي فإنه يتجوهر بإنسانيته، حتى ورد في بعض الروايات: "زكاة العلم نشره" ، أو كما وردّ عن الإمام عليّ (ع): "العلم يزكو على الإنفاق" . أما السبب في تجوهر الإنسان حين الإنفاق والعطاء، فذلك لأن حالة البخل هي واحدة من أهم معيقات انطلاق الذات والنفس والروح، فقد قال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، فالبخيل قد بخل على نفسه قبل أن يبخل على الله تعالى أو على الآخر. 
 
وكخلاصة، إننا في عملية الرعاية المهنية نتكلم عن حاجة تشكل المحور بين طرفين، أو حتى بينأطراف؛ لأننا حينما نتكلم عن شخص وُضع تحت رعاية شخص آخر، فإننا لا نلغي دور الأطراف الأخرى في المجتمع التربوي عامة في مسؤولياتهم تجاه هذا المرعيّ، كلٌّ بحسب طاقاته، وعليه؛ فيمكن أن نتحدّث عن أطرافٍ هنا لا عن اختزالٍ للعملية بطرفين فحسب، وإن كان تركيز مسألة الرعاية المهنية سيكون بين طرفين بحسب الاصطلاح ومن ناحية عملية واقعيّة. 
 
فلسفة الرعاية المهنية من الناحية الدينية: 
هناك عدة أحاديث في هذا المجال: 
 
1- عن الإمام الصادق ع: إن الله لم ينعم على عبد نعمة إلا وقد ألزمه فيها الحجة من الله ، فمن من الله عليه فجعله قويا فحجته عليه القيام بما كلفه ، واحتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه ، فمن من الله عليه فجعله موسعا عليه فحجته عليه ماله ، ثم تعاهده الفقراء بعد بنوافله ، ومن من الله عليه فجعله شريفا في بيته ، جميلا في صورته ، فحجته عليه أن يحمد الله تعالى على ذلك وأن لا يتطاول على غيره ، فيمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله . 
 
إن كل الميزات التي نجدها في أنفسنا- أيًا كان مصدرها- تشكّل نعمة من جهة، ومسؤولية من جهة أخرى. وهذا هو معنى الحجة؛ فالحجة هيأن الإنسان المنعَم عليه سوف يُسأل من الله تعالى عن تلك النعمة، وسيحمل مسؤوليتها: 
 
• في مجال القوة: على الإنسان أن لا يستكبر كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) (حين يعتبر أنه يمتلك كل شيء، فيستغني ويطغى ويظلم من تحته). فهناك مسؤولية تحريك القوة في المجال الذي لا يجعلنا وحوشا وإنما يبقينا أناسًا، وهناك مسؤولية مساعدة الآخرين حيث تتجوهر إنسانيتنا عندما نساعد الضعفاء والمحتاجين.. 
• في مجال المال:هناك المسؤولية بدفع الواجب الذي يجب إخراجه للمستحق، وهناك المستحب(النوافل). 
• في مجال الجاه والشرف:هناك المسؤولية بعدم تحريك هذا الشرف والجاه والجمال من ذي السلطة تجاه الآخرين الذين يعيشون الضعف.. 
وقياسا مع ما ذكره الإمام في مضمون الرواية من أمثلة ونماذج بعد إعطائه القاعدة العامة، فإننا، وفي أي مجال من المجالات، حينما ننعم بميزات معينة، علينا أن لا نعتبر ذلك تشريفًا ربانيا لنا، بل علينا تحمّل المسؤولية في ذلك؛فكلما زادت نعم الله تعالى علينا كلما زاد الابتلاء(الاختبار)؛لأن المسؤولية زادت تبعا للنعم، وعندما تزيد المسؤولية فإن تحقيق هذه المسؤولية يصبح مطلوبًا من الإنسان المنعَم عليه. 
وكاستكمال لتلكالنماذج التي ذكرتها الرواية، نتطرّق لمجال العلم؛ ففي مجال العلمهناك المسؤولية بتحريك العلم من خلال آليات معيّنة. ولكننا نجد في المجال الديني مقولة شائعة ولكنها خاطئة، مفادها أن العالم كالشجرة تُأتى ولا تأتي، فمن أراد الأكل من ثمر الشجرة ذهب إليها ولم تأتِ إليه بطبيعة الحال! وقياسًا على تلك المقولة، فإن العالم يُأتى ولا يأتي! بينما الصحيح هو أن العالم "طبيب دوّار بطبّه" - كما عبّر عن ذلك أمير المؤمنين عليع؛ فأينما تكون الحاجة يكون العالم(متحملاً بذلك مسؤوليته)،وكل ما كان يرى من نفسه أن ما عنده من علم، أسلوب، أداء، أو غير ذلك مما يمكن أن يشكّل قيمة مضافة لمجتمعه... فإن مسؤوليته تكبر، ولذا كان الأنبياءع هم أكثر الناس مسؤولية، ثم الأولياء، ثم العلماء،... وهذا كلّه يؤسس لنا فكرة هامة، وهيأننا عندما نكون في مجتمع تربوي فإن مسؤولية الرعاية المهنية هي مسؤولية تبدأ من الله تعالى، وليس من المجتمع التربوي والقوانين والأعراف التربوية والمهنية...؛ لأن الله تعالى هو الذي سيسألنا يوم القيامة عن كل الخصوصيات والطاقات التي كان يُمكن نقلها إلى الآخر(زميل أو طالب) والتي- هو بدوره- سينقلها إلى من يحتاجها... ولكننا امتنعنا عن ذلك انطلاقًا من بخلنا وحبّنا لأن نتفرّد بالتميّز في المؤسسة- مثلاً-، فاعتبرنا- كبعض التجار- أن ذلك يشّكل لنا "سرّ المهنة" الذي لا يُعطى لأحد كي نبقى المتفرّدين المستحوذين على كل الواقع! ولكن، كم من أصحاب مهن ماتوا وماتت مهنهم مع موتهم! لا لشيء، إلا لأنهم لم يرضوا أن يعطوا أسرار مهنهم حتى لأولادهم! ففي واقعنا، إذا كان عندنا بعض الميزات، وكان حولنا من هو بحاجة لاكتساب تلك الميزات فلكي نعطيَ ولا نبخل، وليكون العطاء – بشيء من جوانبه – عبر المصاحبة، بحيث تترشح فيه تلك الميزات ترشحًا عفويًا لا شعوريا، كما تترشح نقاط الماء من الثلوج للآبار الجوفية. 
 
والجدير بالذكر أن من يخاف على تصنيفه فهو- حقيقةً- يواجه مشكلة ذاتية، حيث أنه يعتبر- في قرارة نفسه- أن ذلك هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه في أدائه وعلمه.. وهذا- بحد ذاته- يمثّل بداية للتراجع؛ لأنه من المحتّم أنه سيتفوّق عليه آخرون عاجلاً أم آجلاً! 
 
2- عن الإمام الصادق ع: ... إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال ، لأن العلم كان قبل الجهل . 
العلم- هنا- أعم من المعرفة المجرّدة، فالعلم هو كل ما ينتج عن معرفة الإنسان من اتجاهات وسلوكيات وغيرها... وعليه؛ فإننا نجد أن الله تعالى- من خلال الرواية- جعل هناك حقوقًا تفاعلية بين الجهال والعلماء. وهذه الرواية تؤكّد على المبدأ الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو أنّ بذل العلم من العالِم مسؤوليّة تستدعي منه المبادرة، وليس انتظار الظروف التي يحرّكها الآخرون ليطلبوا العلم، ولا سيّما أنّ العالِم أكثرُ قدرة – من خلال طبيعة علمه – على رصد الحاجات أكثر من غيره، وعلى امتلاك الآليّات التي تسمح له بتحقيق النتائج أجودَ من غيره، وهذا كلّه يحمّله مسؤوليّة إضافيّة.. ولعلّنا نقول – بتعبير آخر – إنّ الجاهل بطبيعته لا يدرك أحيانًا حاجته إلى العلم؛ لأنّه غارق في ظروف الجهل، بينما يعي الإنسان حاجته للعمل من خلال وعيه لأهمّية ما علمه، ولذلك ينقل عن بعض العلماء أنّه كلّما ازددنا علمًا اكتشفنا حجم جهلنا بالأشياء التي تتطلّب منّا بذل المزيد من الجهد للعلم. 
 
3- عن رسول الله ص: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. 
إن عملية نقل المهارة أو العلم الذي نبثّه لمن يحتاجه، فيبذله هو بدوره للآخرين.. تلك العملية المستمرةستؤدي إلى استمرارية الأجر والأثر العملي في المجتمع؛ فحين نقدّم- كرعاة-تلك الرعاية المهنية للمرعيّ-المتلقي بمقدار ما يبقى هذا العطار مستمرًا، فإننا- حتمًا-سنحصل على الأجر والثواب إلى ما شاء الله.. 
 
صحيح أن شريط الحياة- اليوم- ليس واضحًا لنا، ولكن ذلك سيتضح يوم القيامة، حين نرى شبكة العطاء الممتدة، التي انطلقت من العطاء القليل ومن البذرة الصغيرة ربما –و"القليل خير من الحرمان"- التي نمت وكبرت واستمرّت، حتى مع رحيلنا عن هذه الدنيا، وتحوّلت إلى أشخاص استمدوا منها القوّة التي قد لا يحصلون عليها لولا تلك الانطلاقة والبذرة التي بذرناها. وهذا مصداق عملي لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، فالسبق- دومًا- لمن يبادر (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ). 
 
4- عن رسول الله ص: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له 
هناك جامع لهذه الثلاث التي وردت، وهو الأثر؛ ففي مجال العلم- تحديدًا-، عبّرت الرواية عن ورقة العلم التي يُنتفع بها، وليس ذلك العلم الذي يُهجر في الكتب لأنه لا يمثّل أي قيمة حقيقية..وعليه؛ فإنه بمقدار ما يستمرّ ويمتدّ العطاء من خلال الرعاية المهنية تاركًا الأثر، فإن الأجر سيستمرّ ويمتدّ إلى ما شاء الله.. 
 
وكنظرة فلسفية عابرة: إن الله جعلنا- كبشر- خلفاء لنعمر هذه الأرض، وإلا فسيستبدل بنا قومًا غيرنا (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)؛ فنحنُ – البشر- من عليه أن يحقق الصلاح والإصلاح في الحياة، ولو لم يكن في هذا الجيل وهذا العصر الذي نعيش، بل في الجيل التالي أو ما بعده.. وإنما يكون التغيير نتيجة التراكم. أما- بالمقابل- إن تخلّينا عن مسؤولياتنا واعتزلنا الساحة وبخلنا بطاقاتنا عن أن نعطيها لمن يحتاجها، فإننا نكون بذلكقد حرمنا الحياة القيمة المضافة التي تتراكم مع العناصر الأخرى لتنتج التغيير في نهاية المطاف. 
 
5- عن الإمام الصادق ع: ... الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست علي شئ حتى ينتهي إلى العاشر ، فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك ، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره ، فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره . \
يشكّل لنا هذا الحديث الاستراتيجية الدينية للاحتضان والرعاية،وهي أن لا يعيّر ذو الدرجة الثانية منتحته ممن هو في الدرجة الأولى، وذو الثالثة من هو تحته صاحب الأولى والثانية، وهكذا.. وكذلك فإن الاستراتيجية الدينية تحتّم على أن يكون-بالمقابل- الاحتضان هوعملية رفع لمن هو أسفل مناوبرفق؛ فإننا إن لم نرفع من هو دوننا برفق فإننا قد نكسره، وهذا ما ورد في القصة عن الإمام الصادقع حيث قال: إن رجلا كان له جار وكان نصرانيا فدعاه إلى الاسلام وزينه له فأجابه فأتاه سحيرا فقرع عليه الباب فقال له : من هذا ؟ قال : أنا فلان قال : وما حاجتك ؟ فقال : توضأ والبس ثوبيك ومر بنا إلى الصلاة قال : فتوضأ ولبس ثوبيه وخرج معه ، قال : فصليا ما شاء الله ثم صليا الفجر ثم مكثا حتى أصبحا ، فقام الذي كان نصرانيا يريد منزله ، فقال له الرجل : أين تذهب ؟ النهار قصير والذي بينك وبين الظهر قليل ؟ قال : فجلس معه إلى أن صلى الظهر ، ثم قال : وما بين الظهر والعصر قليل فاحتبسه حتى صلى العصر ، قال . ثم قام وأراد أن ينصرف إلى منزله فقال له : إن هذا آخر النهار وأقل من أوله فاحتبسه حتى صلى المغرب ثم أراد أن ينصرف إلى منزله فقال له : إنما بقيت صلاة واحدة قال : فمكث حتى صلى العشاء الآخرة ثم تفرقا فلما كان سحيرا غدا عليه فضرب عليه الباب فقال : من هذا ؟ قال : أنا فلان ، قال : وما حاجتك ؟ قال : توضأ والبس ثوبيك واخرج بنا فصل ، قال : اطلب لهذا الدين من هو أفرغ مني وأنا إنسان مسكين وعلي عيال ، فقال الإمام الصادقع: أدخله في شئ أخرجه منه - أو قال : أدخله من مثل ذه وأخرجه من مثل هذا -. 
 
بينما نجد- في مقابل هذه الرواية- ما ورد في بعض الأحاديث المروية في سيرة رسول اللهص: أنّ شخصاً جاء إلى النبيّص وقال له: إنّي لا أستطيع القيام بأداء الصلوات الخمس، ولكنّي أستطيع الالتزام بأداء ركعتين في اليوم. فما كان من النبيّص فيما يقول الحديث ـــ إلاّ أن وافق معه على ذلك.. ومضى الرجل في أداء الركعتين كلّ يوم، حتّى ذاق حلاوة الصلاة، وانسجم مع أجوائها الروحية وعرف قيمتها وفائدتها، فرجع إلى الصلوات الخمس، يؤدّيها بكلّ إخلاص وخشوع...
 
فتلك المرونة التي نجدها عند النبيص- من خلال ما ورد في الرواية- قد لا نجدها في واقعنا التربوي والعائلي... بل- وللأسف- قد نجد عكسها تمامًا! في حين أننا نجد في الروايات عن أئمة أهل البيتع ما يمثّل كل الاحتضان للآخر المختلف؛فقد ورد أنهمع كانوا يوجّهون أصحابهم لتقبّل من يخالفهم في بعضالتوجهات ويستغربون رفض أصحابهم وإقصاءهم لهؤلاء، فيقولون لهم: " فهوذا عندنا ما ليس عندكم فينبغي لنا أن نبرأ منكم ؟! وهوذا عند الله ما ليس عندنا أفتراه أطرحنا ؟!فتولوهم ولا تبرؤوا منهم ، إن من المسلمين من له سهم ومنهم من له سهمان ومنهم من له ثلاثة أسهم... فليس ينبغي أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين ولا صاحب السهمين على ما عليه صاحب الثلاثة ولا صاحب الثلاثة على ما عليه صاحب الأربعة..." 
 
6- عن الإمام الباقر ع: إن المؤمنين على منازل منهم على واحدة ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ست ومنهم على سبع فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو ، و على صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو ، وعلى صاحب الثلاث أربعا لم يقو ، وعلى صاحب الأربع خمسا لم يقو ، وعلى صاحب الخمس ستا لم يقو ، وعلى صاحب الست سبعا لم يقو ، وعلى هذه الدرجات. 
 
إن هناك اختلافات واقعية، لا يمكن إغفالها، في القابليات والقدرات في المجال المهني والتربوي، ولكنها لا تمثّل القدر الذي لا خلاص منه، بل يمكن تغييرها، ولكن بالاحتضان والتمكين والرويّة والتخطيط.. 
 
مواصفات الراعي المهني: 
فيما يتعلّق بمواصفات الراعي، هناك مواصفات لها علاقة بالمهنة كالمصداقية، الأمانة وعدم الغش، الجودة بالأسلوب،... وهناك، من ناحية أخرى، مواصفات لها علاقة بالشخصية ككل؛ تلك التي تتمحور حول الأنا والذات وتتمحور حول الوعي لطبيعة دور الإنسان في الحياة... وهذا كله يتعلّق بثقافتنا وفلسفة وجودنا- كبشر- على هذه البسيطة، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) ، ما يعني أن مسؤوليتنا هي الإصلاح، والإصلاح في الأرض يحتاج لوقت ولتراكم... وعليه؛ علينا أن نعي أننا من يصنع الفرق في واقعنا، ولو كان ما نقدّمه قليل- نسبيًا-، وهذا قوله تعالى: (وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) . 
 
أخيرًا، إن على الراعي أن لا يتوانَى- وباستمرار- عن أن يعمل على إعداد نفسه وفق تلك المواصفات المتعلقة بموقعه من الله تعالى ، نظرته للوجود، البعد الروحي لديه.. وبهذا نفهم لماذا التركيز الكبير- من قبل الإسلام- على ذلك البعد الروحي عندنا- كبشر-، من خلال المظاهر العبادية كالصلاة والسجود تحديدًا-مثلاً- اللذي يمثل قمة الانسحاق أمام عظمة الخالق جل وعلا؛ ليتواضع العبد أمام ربه فلا يستكبر ويتجبّر،وما يجعله يفضّل إرادة الله تعالى على إرادته الخاصة، ويجعله مخلصًا لله تعالى قبل أن يخلص للمؤسسة أو للمرعيّ-المتلقّي... وهذا هو معنى الإسلام الحقيقي، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين) . 
 
وبذلك- كلّه- نفهم محورية الدين والعقيدة والمفاهيم القيمية الإسلامية في مسؤولياتنا التربوية والتعليمية وفي موضوع الرعاية المهنية... وإلا- بالمقابل-، فإن الراعي سيفتقد لأهم العناصر الحيوية في مسيرته، طالما ابتعد عن الجانب الروحي،وطالما بقيت هذه الـ(أنا) هي التي تحكمه وتحكم مسيرته المهنية..
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل