11 Dec 2017
كان يضع يديه على أذنيه ويهزّ: "فؤاد ليس مجنوناً... إنه التوحّد"!
كان يضع يديه على أذنيه ويهزّ: "فؤاد ليس مجنوناً... إنه التوحّد"!

 
لم يكن الولد فؤاد سليمان ( 12 عاماً) كسائر الأولاد، كان هناك شيء ما يُخفي وراءه حقيقة صعبة. لم يكن قد تجاوز السنتين، لكن كان واضحاً انه يعاني من مشكلة. كانت شكوك والدته ليالي في مكانها، لم يكن فؤاد ينطق بالكلمات، كثير الحركة ويهز كثيرا ويعنّ. أعراض بقيت غامضة طويلاً قبل ان يتمّ تشخيص حالته بطريقة صحيحة. في احدى الدول العربية قيّم الأطباء حالة فؤاد على اساس "إفراط حركي"، هكذا بقي معلقاً يدور في دوامة الترجيحات الى حين إجراء كشف دقيق في لبنان وجاءت النتيجة: فؤاد يعاني من طرف توحّد! 
 
بقيت والدة فؤاد أشهراً وسنين قبل ان تعرف ما يعانيه حقاً. لم تكن تعرف مما يشكو برغم كل شكوكها ان ابنها ليس كباقي الأولاد. كانت تردد دائما انها بحاجة لمعرفة حالة فؤاد حتى تتمكن من التعامل معه وفق حالته. هكذا بقيت تتأرجح بين شكوكها الخاصة وتقييم الأطباء الذي يجزم بان فؤاد لا يعاني من افراط حركي. تستعيد ليالي تلك المرحلة بكل محطاتها، تحرص على عدم إغفال اي تفصيل بسيط قائلة: "كنا نعيش في احدى الدول العربية وبدأت أشعر بعدما أصبح فؤاد في عمر السنتين انه لا يتكلم ابدا. وعندما استشرنا احد الأطباء هناك أكد لي ان لا داعي للقلق فهناك بعض الأطفال الذين يتأخرون في الكلام. مرّت الأشهر وفؤاد ما زال على حاله، فقرر الطبيب إجراء تخطيط سمع له ليتأكد انه لا يعاني من مشكلة سمع، إلا ان النتيجة جاءت إيجابية: سمع فؤاد جيد جدا." 
 
فؤاد لا يجب ان يكون هنا 
بدأت الأمور تزداد سوءاً، لاسيما بعدما أصبح فؤاد في المدرسة. فبعد مرور 3 أشهر تمّ استدعاء والدته لإبلاغها بضرورة البحث عن مركز آخر يُعنى بالإفراط الحركي، لأن فؤاد كان شديد الحركة وغير قادر على التقيد بنظام المدرسة. بهذه البساطة أُخرج فؤاد من مدرسته، لتتولى والدته تعليمه في المنزل. تشرح ليالي ما جرى معها بالقول: "بعد العمل مع فؤاد بدأت انتبه الى انه يحب كثيرا الإعلانات، ولديه قوة ملاحظة وحفظ رهيبة ويحب كثيراً مشاهدة التلفزيون والخليوي". 
 
لا تُخفي ليالي انها واجهت صعوبة مع فؤاد لأنه لا يتكلم بطريقة صحيحة ومفهومة ولديه صعوبة في النطق. "ولكن برغم ذلك كنت ألمس عن كثب ان فؤاد يتعلم ولو بطريقة بطيئة. لم يكن قادرا على صياغة جملة كاملة وانما ينطق بكلمات فقط". ساءت الحالة المعيشية واضطرت ليالي وولدها فؤاد وابنتها الصغيرة للعودة الى لبنان. يحب فؤاد الروتين وقد أظهر التقييم انه ذكي جداً. تقول الأم: "لم أكن اعرف ما يشكو منه حقيقة كي أعلم كيفية التعامل معه، حتى شاهدتُ إعلان مركز الشمال للتوحّد. وهكذا بدأ مشوارنا هناك. بعد الذهاب الى المركز واجراء كل الفحوص الطبية اللازمة تبيّن ان فؤاد يعاني من طرف توحّد وكان قد بلغ من العمر 9 سنوات. تمّ قبوله في المركز وأظهر تحسنا واضحاً وتطوراً كبيراً في شخصيته وتصرفاته ومستواه الأكاديمي". 
 
انه اجمل هدية 
بدأ فؤاد يرتدي ملابسه ويستحم ويقوم بأشياء بسيطة بمفرده. لقد قطع شوطا كبيراً في تقدمه والتعامل معه بطريقة حرفية بفضل اختصاصيين في هذا المجال. وتؤكد ليالي ان "المركز ساعدنا في تحديد مشكلة فؤاد وكيفية التعامل معه ومساعدته. انا اشكرهم كثيراً. لقد كان لهم الفضل الأكبر في تشخيص حالة فؤاد. اليوم أنا فخورة به وبكل ما يقوم به وبتقدمه حتى لو كان بطيئاً. صحيح ان نظرة المجتمع لاسيما في منطقة جبل محسن ما زالت ظالمة وجارحة، فهم لا يميزون بين التوحد والجنون او الإعاقة". تستذكر والدة فؤاد حادثة جرت معه قائلة: "لقد كان فؤاد يلعب في الخارج مع بعض الأطفال عندما شاهدتهم يضحكون عليه ويسخرون منه. تدخلتُ وقلت لهم هل يرضى احدكم ان يضحك احدهم على شقيقه او شقيقته؟ ليس سهلا ان نفسر للناس حالة فؤاد، لذلك احرص كثيراً على ان يكون محيطه من الناس الذين يحبونه كما هو ويتقبلونه على حاله." 
 
حتى شقيقته الصغرى تعرف كيفية التعامل مع شقيقها والإنتباه له. هي لا تخجل منه، حتى انها قالت امام الصف بأكمله ان شقيقها يعاني التوحّد. بالنسبة الى ليالي ان"فؤاد اجمل هدية، يكفيني انه يحقق انجازاته التي يرى الغير انها صغيرة ولكنها في عينيّ أكبر بكثير. لا يمكن ان اصف فرحتي." 
 
النهار
 

كفالاتكم تجعل حياتهم أفضل