نلتقي اليوم في رحاب المبرات كما في كل يوم من أيام العمل، وفي هذا الصباح المبارك صباح الجمعية نلتقي أسرة الإدارة العامة لمؤسسات المبرات لنعيش الذكرى السادسة عشرة لرحيل المرجع المؤسس(رض)، نستشعر أمام ذكرى رحيله ثقل المسؤولية وعمق الرسالة التي نحملها، ندرك أننا أمام مهمة تتجاوز الوصف الوظيفي بأن نكون السيد في عقله وفكره وحرصه واحتضانه لهذه المؤسسات.. كان رجل المؤسسات بامتياز وما تركه يشهد على هذا الجانب المميز في فكره العملي، مؤسسات زُرعت في أرضٍ خصبة نحمل مسؤوليتها بأمانة.. لن نوفّر الجهد كما أراد رضوان الله عليه لبقاء هذه المؤسسات حيّة في خدمة الأيتام الفقراء والأيتام والمعوقين ومن يطلب العلم والأخلاق والفكر والحياة الكريمة.. لقد رسم خطاً للوعي فكان رائداً من روّاده.. ترك هذا الخط وسوف نكون مؤتمنين عليه وهذا عبء كبير يحتاج إلى قوة وعزيمة وصبر وإصرار لتبقى رسالة الإسلام مشرقة وهّاجة..
رغم هجرتي إلى الغرب للدراسة وهو الذي شجّعني على ذلك لم أنقطع عنه، كنتُ شريكاً له في أكثر من عمل.. في تأسيس العمل الإسلامي في فرنسا.. والانفتاح على المسلمين في أوروبا.. وتأسيس أول مركز شيعي (جمعية ومكتبة أهل البيت في باريس).. وازددت معه نضجاً رغم وحشة السنين في الغربة.. رافقتُه إلى أكثر من مؤتمر في أوروبا وأميركا.. وعشتُ معه حلم المؤسسات ولبّيتُ طلبه في العودة إلى لبنان لتحقيق هذا الحلم مع اخوة آخرين رساليين، إطمأنّت نفسُه لهذه النجاحات التي امتدت على مساحة لبنان وتفرّعت إلى خارجه فكان المرجع المؤسساتي الأهم في الفكر والفقه والثقافة، وفي غيابه لازلنا نحلم بالأفضل والأحسن والأرقى.. وتبقى تجربتي معه تجربة غنية وفريدة كان بيننا ومعنا (لأنه كان يقول أنا أربي رفقاء ولا أربي أتباعاً)، كان يمسك بمبضع الجرّاح ويشرّح الأمور ولم يؤخذ يوماً بالشعارات أو العواطف أو المساومات.. كان يفاجئ بشجاعته وتشجيعه عند الأزمات.. نحن في المبرات سنبقى الامتداد لكل إشراقاته المتوهجة عاماً بعد عام نحمل أهدافه وثوابته ومشروعه متمسكين بالوعي والصبر ناشطين في طريق رفعة المؤسسات وحمايتها مع شعاره “الحقد موت والمحبة حياة”.
نستحضره اليوم قرآناً نبوياً حركياً لا يرى إلا بعين الله، لقد تفرّد في تفسيره الحركيّ للقرآن وكيف ترجم معاني آياته إلى حركة عملية في أرض الواقع المُعاش، تفسيره هو تفسير لإدارة الحياة بالقرآن في هذا العصر بحيث يجعل كلام الله مشروعاً حيوياً يتجدد مع تجدد التحديات ويضيئ الدرب في زحمة تعقيدات الحياة.. لم يتعامل مع القرآن بطريقة تجريدية جافة ويحلله تحليلات افتراضية بعيدة عن الواقع بل تعامل مع آيات القرآن كنصٍ حيّ يعيش مع الحياة ويخاطب حركتها، تعلّم من الأنبياء وسِيَرهم التي وردت في القرآن فتعلّم من إبراهيم كيف يقارع الحجة بالحجة والبرهان، كيف يرفض ما تصالح عليه الآباء من عادات بالية وعقائد فاسدة (قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)(المائدة104)، كان يسأل أهل الاختصاص فلا يتفرّد بالرؤية الأحادية (مثال عن الاستنساخ)، ويُعمِل العقل ضارباً عرض الحائط كل ما خالف قرآنه الحبيب، رأى الله في كل شيء فما عاد شيءٌ يحجب عنه وحدة المؤلف الجامع، إنه أمثولة في التوحيد لكل من يقف عنيداً وفي وجع الشرك الخفيّ والغلوّ والخرافة، وكما اتُّهم إبراهيم(ع) إتُّهم هو في فكره ودينه وعقيدته، وأصرّ على الثبات على الحق ولو قلّ سالكوه..
لقد أحيى السيد(رض) أمة نائمةً جامدة على الماضي عادات وتقاليد وأعراف “كما أحيا ابراهيم(ع) الطير” لم يرهقه أي سؤال أو إشكال، لا سؤال محرج لديه ولا سؤال تافه لأن للسائل حق الجواب، وكان يقرأ بصوته بحنان ويقرأ الجواب بقلبه متوجهاً إلى السائل بعطفه الذي يُشعره بأنه جديرٌ بالاحترام فتتعزز الثقة لديه (مثال عن السؤال المضحك كيف تعامل معه)..
آمن بالناس جميعهم كبيرهم وصغيرهم مثقفهم وأميّهم عالمهم وجاهلهم عاليهم ودانيهم، آمن بهم جميعاً وما آيس لحظة واحدة أن بمقدور كل واحد منهم أن يرقى ويعطي حتى يناطح السحاب (كان يتقبل كل الناس)، لقد أحياهم بكلمة سهلة “أيها الأحبة”، بالحب تخطّى الحواجز وبالحب عبر مساحات القلوب الشاسعة وهناك أودع كلمة الحياة وحياة الكلمة..
أدرك مع النبي إبراهيم جوهر بناء البيت (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ…).. لم يترك الجماعة لم يتخلّف عن أداء حق الإمامة ولم تكن الصلاة لديه مجرد حركات أدائية لواجب بل كانت لقاء اتصال بالله برحمته وعطائه، لذا تحوّلت حياته كلها إلى صلاة حين يأكل ويشرب وحين ينام ويرتاح وحين يقرأ ويفكر وحين يخصص وقتاً للاستماع إلى مشاكل الناس وهمومهم (علّم الناس الدعاء والزيارة ودعاء كميل بصوته وبقية الزيارات)..
وكان السيد(رض) يتمثل النبي يوسف(ع) في تجربة المؤسسات مكين أمين حفيظ عليم.. كان العقل الذي يفكر والإرادة التي تحسم والأمانة التي تحفظ والوداعة التي تحب وترعى وتحنو.. (خطط.. علّم.. فكّر.. حنانه وعطفه على اخوته ووالديه.. برّ الوالدين وفقد والدته يوم وفاتها لم يمنعه من متابعة واجباته الرسالية…)
كان كنبي الله نوح يصنع المؤسسات بعين الله، أنشأ المؤسسات لتكون سفينة في صحراء الاستسلام لواقع الحال لا من شيء أبداً، فسخّرت له الحياة كل شيء.. وإذا كانت الآخرة موطنه وكان في الدنيا عابر سبيل استطاع أن يعمّر في الأرض ما استطاع.. دور أيتام.. وذوي احتياجات.. ومدارس وخدمات.. وصحة ومساجد ومراكز للثقافة والوعي.. حارب البطالة بتأمين مجالات عمل، ما كان لشيء أن يحدّ من طموحه، كان يردد دائماً “توكلوا على الله” ذلك أن غايته المدى اللامتناهي الذي حين وجده لم يفقد شيئاً.. أنشأ سفينة وسط طوفان المستسلمين للغرق في العجز وفتح مصاريع الاقتداء بنهجه وباسم الله كان مجراها ومرساها..
ومن نبي الله شعيب(ع) تعلّم أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل التصدي لإصلاح غيره (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الاصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) تشكّلت لديه الرؤيا الواضحة من إصلاح نفسه لينطلق منها إلى إصلاح غيره..
أخلاق نبوية، صبر الأئمة، روح حانية متواضعة “إني أحبكم جميعاً” العقل المنفتح على المدى الواسع، الدليل والعون والمرشد للآخرين، العابد الورع التقي ولم يترك صلاة الليل والفجر والدعاء، داعية المحبة والألفة واللقاء.. العنيد المقاوم أمام مشاريع الاستكبار (في حرب تموز .. دعم المقاومة بشعار أيها البدريون..).. صوت الاعتدال والكلمة السواء همه الأول والأخير الإسلام فكراً وحركة ونهجاً في جميع مجالات الحياة فردم الهوّة بين الدين والعقل وبين الدين والعلم، ما عرف جزعاً.. استقى من أيوب(ع) الوداعة والصبر غير عابئ بالمكذبين لأن الزمن لا ينتظر العاملين في زوايا الماضي..
دعونا أيها الأحبة وفي يوم ذكرى رحيله أن نقرأه في كل تفاصيل حياته في فكره العميق الخلاّق والمبدع، في محاربته للتخلف والغلوّ والخرافة، أن نقتدي به في اهتمامه بالفقراء والمساكين الذين فتح بابه وعقله لهم (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)(هود29)، لنقتدي به في وصل من قطعنا، ان تكون لنا الإرادة الصلبة كما كان رجل الإرادة الصلبة بما يردد من حديث “ما عجز بدن عمّا قويت عليه النيّة”..
أيها الأحبة، أحبة السيد ومحققي أمانيه في المؤسسات، سوف نبقى نبشّر بما بشّر السيد(رض) به الصابرين والمتدبرين القرآن، نبقى العقل المفتوح والقلب المفتوح والإحساس المفتوح على الواقع وعلى القرآن، سنبقى نفكر كأمة لا كأفراد، نصبر صبر العاملين المتعاونين مع كل الطيبين في سبيل الخير نفاذاً إلى الأعمال..
سنبقى نحتاج إلى آفاقه واسعة وروحه الإنسانية وحكمته في هذه الأيام العجاف التي ينعدم فيها الأمن وتُغتصب الأرض ويستشهد الخِيَرة من الأهل والأحبة وشباب الوطن.. وتبقى سيدنا مهما طال الزمن ملء القلب والجوارح بكلماتك التي تبدد الظلام وتنشر النور وتنير المستقبل.. (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الاعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران139)
كلمة مدير عام جمعية المبرّات الخيرية السيد الدكتور محمد باقر فضل الله في الذكرى السنوية السادسة عشرة لرحيل العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (رض)

