عن المؤسس

  • الهويّة الشخصيّة
  • المسيرة العلميّة
  • الرّؤية الشّاملة
  • الإصدارات الفقهيَّة
  • المسيرة الفكريّة
  • السيّد شاعرا
  • المرجعيّة الفقهيّة
  • المرجعيَّة المؤسَّسة
  • كتب الفتاوى
  • السيّد (ره) والتجديد
  • المسيرة الحركيَّة
  • الدّعوة إلى الله
  • الصّلاة والثّقافة خطّان للعبادة

ولد سماحة العلامة المرجع الفقيه المجدّد، السيّد محمّد حسين فضل الله، في النجف الأشرف (العراق) في 19 شعبان 1354 هـ، الموافق 16/ت2/1935م

والده العالم الربّانيّ الفقيه السيّد عبد الرؤوف فضل الله

والدته الحاجّة رؤوفة بزّي، كريمة الحاج حسن بزّي، وشقيقة السياسيّ علي بزّي

تزوّج السيّد فضل الله من السيّدة الفاضلة نجاة نور الدين، ابنة الفقيه السيّد نور الدين نور الدين

للسيّد فضل الله من زوجته 12 ولداً: 8 ذكور توفّي أحدهم بسبب مرض أصابه منذ طفولته، و4 إناث

يرجع نسبه إلى الإمام الحسن السبط(ع)، وينتمي إلى عائلة فضل الله المعروفة بالفكر والأدب

غادر النّجف نهائيّاً في العام 1966م، بعدما أمضى فيها ثلاثة عقود من عمره في الدّرس والتدريس والعطاء الفكري والأدبي والحركي المتميّز، واستمرّ في عطائه وجهاده في لبنان حتّى توفّاه الله في 4 تمّوز 2010م، الموافق لـ 22 رجب الأصب 1431هـ، إثر مرض عضال أصابه في الكبد، مواسياً بذلك جدّه الإمام الحسن(ع)

الدّراسة والنّبوغ
تعلّم السيّد القراءة والكتابة في الكتاتيب، ثمّ انتقل منها إلى مدرسةٍ حديثةٍ تابعة لجمعيّة منتدى النشر، حيث انتسب إلى الصفّ الثالث ابتدائي في مدرسة نموذجيّة، ثم توقّف عن الدّراسة فيها في الصفّ الرّابع، وانخرط تماماً في الدّراسة الدينيّة في إطار الحوزة العلميّة، في ما بين سنّ التاسعة والعاشرة

بدأ دراسة المقدّمات والسّطوح على والده، وفي سنّ السادسة عشرة تقريباً، بدأ بحضور دروس الخارج في الفقه والأصول على يد كبار أساتذة الحوزة آنذاك؛ أمثال: المرجع السّيد أبي القاسم الخوئي، المرجع السيّد محسن الحكيم، والسّيد محمود الشاهرودي، والشيخ حسين الحلّي، وحضر درس الأسفار عند الملاّ صدرا البادكوبي

حاول السيّد فضل الله استغلال كلّ وقته في التّحصيل العلمي، ولذلك لم يكتفِ بالدروس التي كانت مقصد عموم الطلاب آنذاك، بل حاول أن ينوّع حضوره العلميّ عبر
الحضور لدى بعض العلماء في الدروس التي كانت تُعقد أيّام العطل، فحضر عند الشيخ عبّاس الرميثي، وكان يتميّز بذوقه الفقهي، وعند المحقّق البجنوردي، صاحب كتاب القواعد الفقهيّة، وعند آخرين، عندما كان يُسافر خارج النجف والعراق
عقد مباحثات منفردة في بعض الكتب الفقهيّة والأصوليّة التي لا تدرّس ضمن البرنامج الحوزوي، أو الصادرة حديثاً، ما مكّنه من الاطّلاع على كثير من المباحث بشكل أوسع ممّا يقدّم في إطار الدرس الرسميّ أو العامّ. وعلى سبيل المثال، ذكر السيّد فضل الله مرّةً أمام بعض تلامذته، أنّه كان يُذاكر في أيّام الدراسة كتاب أجود التقريرات مع قريبه السيّد محمد سعيد الحكيم
حضور المذاكرات العلميّة التي كانت تعقد في سهرات ليلة العطلة، والّتي كان يتمّ فيها طرح المسائل العلميّة، ويدور النقاش العلميّ حولها بما يستفزّ الفكر في لحظات تُبرز التقدّم أو الضعف العلمي، ويذكر الكثيرون أنّ السيّد فضل الله كان من البارزين فيها على مستوى

استحضاره المطالب العلميّة والردّ على إشكالاتها؛ بل قيل عنه إنّه كان نجم المذاكرات العلميّة

مواقف لافتة

الشهيد السيد محمد باقر الصدر، يثبت للسيد الخوئي أنّ في العرب فضلاء من الناحية العلميّة من خلال عرض تقرير السيّد فضل الله لأحد أبحاث السيّد الخوئي(ره)
ذُكر أنّه تمّت الاستعانة بالسيّد فضل الله في بعض البحوث حين إعداد الجزء الأوّل من كتاب محاضرات في أصول الفقه، وهو بقلم الشيخ إسحاق الفيّاض، ويتناول بحوث السيد الخوئي(ره) الأصوليّة
حاول بعض العلماء ضمّه إلى درسه، والإشارة إليه بذلك، نظراً إلى صيته العلميّ
الشّهيد السيّد محمد باقر الصّدر يعبّر عن أنّ كلّ من خرج من النجف خسر النجف، إلا السيّد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف
والده يعبّر لأخيه السيّد محمّد علي، أنّ السيّد متفوّق بدرجات كبيرة على كثير من أقرانه
الفقيه السيّد نور الدين نور الدين يعبّر لأحد أولاده حين تقدّم السيّد لطلب يد ابنته، وله من العمر 22 سنة، أنّ السيّد من الفضلاء
أرجع إليه والده المقدّس السيّد عبد الرؤوف فضل الله في بعض المسائل التي كان يحتاط فيها السيّد الخوئي(ره) وجوبيّاً، ككشف وجه المرأة في السّتر الشّرعي، وطهارة الكتابيّ، وكان هذا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي

بقي السيّد فضل الله يعيش حالة التلمّذ الدائم في ساحات العلم والمجتمع، متعمّقاً في قراءة الواقع بكلّ جوانبه، حتّى امتلك رؤيةً شاملةً مكّنته من استيعاب مفردات العلم والحياة والربط بينها بطريقة مبدعة، وقد تحدّث السيّد فضل الله عن تجربته العلميّة بقوله

إنّني أعيش التلمّذ الدائم على الحياة كما أتلمّذ على الكتب، وعلى الأساتذة. كنت أقرأ الفقه في الحياة، باعتبار أنّ الفقه هو التّشريع الذي يتحرّك من أجل تنظيم شؤون الناس، ومن أجل استقامة درب الحياة: {يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[الأنفال: 24]. وكنت أقرأ العقيدة في التأمّلات العقليّة من خلال قراءتي للقرآن، وكنت أقرأ الحياة على أساس ارتباط ظواهرها الحركيّة مع بعضها البعض، فكنت لا أقرأ الجانب الاجتماعي بعيداً عن الجانب السياسيّ، ولا أقرأ الجوانب السياسية والاجتماعيّة بعيداً عن الجانب الاقتصادي؛ وهكذا لا أقرأ الحاضر بعيداً عن الجانب التاريخي وعن تطلّعات المستقبل. لذلك لم أعش التجزيئيّة التي تجعل الإنسان ينفصل عن الجوانب الأخرى عندما يستغرق في جانب معيّن.. كنت أحاول أن أدخل الحياة بكلّ حيويّتها، وبكلّ جوانبها، لأجد الخطّ الرابط بين هذا الجانب وذاك الجانب

المدرّس الدائم
لم يتوقّف السيّد فضل الله يوماً عن التدريس، باعتباره ضروريّاً للتنمية العلميّة بقدر ما هو حاجة للطلاّب. يقول السيّد في هذا المجال
إنّي كنتُ في النجف مدرّساً للسطوح العالية، وكان الناس ينظرون إليّ نظرة الشخص الذي يملك الثقافة الفقهيّة والأصوليّة العالية، بالمستوى الذي كان فيه يدرّس (المكاسب) و(الرسائل) و(الكفاية)؛ حتّى إنّ السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر(ره) طلب منّي تقرير بحثي للسيّد الخوئي(ره) ليُطلع عليه السيّد الخوئي، ليعرف أنّ في العرب فضلاء؛ لأنّ السيد الخوئي كان لا يعتقد أنّ في العرب فضلاء ـ كما ذكر لي السيّد الشهيد ـ. وقد تناقل الناس عن السيد الشهيد كلمةً لم أسمعها منه ـ لأنّها كانت بعد خروجي من النجف : إنّ من يخرج من النجف يفقد النجف، ولكنّ السيّد فضل الله بخروجه خسرته النّجف.. وأستطيع أن أقول إنّني عندما كنتُ في النّجف، كنت أخطو نحو الاجتهاد
ثمّ أسَّستُ حوزةً علميّة من أوّل سنة جئت فيها إلى لبنان، وكنتُ أدرّس الرّسائل والمكاسب والكفاية، وأجود التّقريرات للسيّد الخوئي(ره) مع حاشيته، كما كنت أدرّس بداية المجتهد ونهاية المقتصد الّذي هو كتاب استدلاليّ مختصر لابن رشد القرطبي في مذاهب السنَّة، ثمّ درّست بحث الخارج منذ أكثر من خمس وعشرين سنةً، ولا أزال أقوم بتدريس الخارج فقهاً وأصولاً لمدّة قريبة، ثمّ فقهاً فقط منذ سنتين وأكثر، وأنا لا أزال أدرّس الفقه في البحث الخارج في لبنان في مدى أربعة أيّام، وفي سوريا في مدى يومين، ويحضره الكثيرون
إنّني أعتبر أنّني، في نشاطي العلميّ الفقهيّ الأصوليّ الاجتهاديّ، أكثر ممّا فيه الآخرون، في النّجف أو في قمّ؛ لأنّه ليس عندي وقت فراغ، وليس عندي وقت راحة.. البعض يعيشون الاسترخاء الّذي لا أفهمه، ويعطون أنفسهم الكثير من الرّاحة الّتي لا أفهم
إنّ حياتي كلّها عمل؛ قراءة دائمة، وتدريس دائم، ومذاكرة دائمة، وحوار دائم، فأنا أعيش حياتي مع الكتاب، ومع الدّرس، ومع المسجد، ليس عندي حياة اجتماعيّة بالطّريقة الّتي تأكل وقت الإنسان
لذلك، لا أدري ما هو حجم إنتاجي، ولكنّي أعتقد أنّني من النّاس الّذين يعيشون الإحساس بالزَّمن؛ فأنا أحسّ بكلّ دقيقة من الدّقائق التي تمرّ عليّ، أن أملأها فكراً، أو كتابة، أو مشروعاً، أو حركةً
ولأنّ المعرفة لا تختزل في جانبٍ دون آخر، فقد وسّع السيّد فضل الله، منذ أن كان في النّجف الأشرف، دائرته المعرفيَّة، لتستوعب شؤوناً فكريّة واجتماعيّة وسياسيّة وأدبيّة؛ لذا لم يقتصر اهتمام السيّد الثقافي على البرنامج الرسمي للحوزة، أي الفقه والأصول، فكان يحضر الدّروس المتنوّعة خارج الفقه والأصول، كالتفسير والفلسفة وغيرهما. كما انفتح على الفكر والأدب العربيّ المعاصر عبر مجلّة المصوّر المصريّة، ومجلّة الرّسالة (لحسن الزيّات)، ومجلّة الكاتب المصري (طه حسين)، وبعض المجلات اللّبنانيّة الّتي كانت تصل إلى النّجف بين وقتٍ وآخر، وكذلك الصّحف العراقيّة، وانفتح على الفكر الغربيّ عبر التّرجمات المتاحة آنذاك لمفكّرين غربيّين في مختلف قضايا الفكر؛ وهذا ما أمّن للسيِّد أفقاً واسعاً في فهم روح العصر، والتّعاطي معه على هذا الأساس

أصدر السيِّد مع ابن خالته السيّد مهدي الحكيم مجلّة الأدب الخطّيّة، وكانت توزّع بحسب الاشتراكات، وقد تولّى السيّد كتابتها بخطّه

صدر لسماحته أبحاث فقهيَّة عديدة، وهي

كتاب الجهاد، تقرير نجله السيّد علي فضل الله
رسالة في الرّضاع، تقرير الشيخ محمّد أديب قبيسي
فقه القضاء (جزءان)، تقرير الشيخ حسين الخشن
فقه الحجّ (جزءان)، تقرير الشيخ جهاد عبد الهادي فرحات
كتاب النكاح (جزءان)، تقرير الشيخ جعفر الشاخوري البحراني
فقه الإجارة، تقرير السيّد محمّد الحسيني
فقه الشركة، تقرير السيّد محمّد الحسيني
فقه المواريث والفرائض (جزءان)، تقرير الشيخ خنجر حميّة
القرعة والاستخارة
اليمين والعهد والنذر
فقه الطلاق، تقرير الشيخ محمّد أديب قبيسي
الأطعمة والأشربة، تقرير الشيخ محمد أديب قبيسي
الصيد والذباحة، تقرير الشيخ محمد أديب قبيسي
البلوغ، تقرير نجله السيّد جعفر فضل الله
الحاجب اللاصق، تقرير نجله السيّد جعفر فضل الله
ثمار البحر، تقرير الشيخ حسين الخشن

:هذا مضافاً إلى مئات الأبحاث المبثوثة في أشرطة التّسجيل الصّوتيّ في الفقه والأصول، وقد كان بعضها قيد الإنجاز في حياته(ره)، ويجري العمل على استكمالها؛ وأهمّها

البراءة والاشتغال
فقه الصّوم
المضاربة
فقه التّجارة
مسائل متفرّقة (مخطوط)
وقد تميَّز السيّد(ره) بمنهجه الاجتهاديّ النّابع من ذوقه العرفيّ من جهة، ومن إحاطته بالقرآن والتّفسير من جهةٍ أخرى، ومن حسّه الأدبيّ من جهةٍ ثالثة، إضافةً إلى ممارسةٍ اجتهاديَّة طويلة في مختلف أبواب الفقه، ما جعل الكثيرين يعتبرونه من الفقهاء المجدّدين الّذين سيبدو أثرهم واضحاً في المنهجيّة الاجتهاديّة؛ بل وفي فهم الدّين عموماً. وسنشير إلى بعض ملامح هذا المنهج الاجتهاديّ في ما يأتي.

بدأ نشاط السيّد فضل الله الفكريّ يبرز منذ أن كان في النّجف الأشرف، حيث تركّز ذلك في ميدانين أساسيّين

كتابة الافتتاحيّة الثانية في مجلّة الأضواء الّتي كانت تعبّر عن تطلّعات الحركة الإسلاميّة، وذلك تحت عنوان "كلمتنا"، حيث كان السيّد يطرح معالجاته ورؤيته للمواضيع المتنوّعة الّتي تؤسّس للوعي المعاصر للإسلام في جُملة من القضايا الّتي كانت تفرضها المرحلة آنذاك، وقد جُمعت هذه المقالات في كتاب " قضايانا على ضوء الإسلام"
المشاركة في النَّدوات واللّقاءات مع الاتجاهات غير الإسلاميَّة في قضايا الفكر والعقيدة، ولا سيَّما مع المدِّ الثقافيّ الّذي أطلقه الفكر المادّيّ الإلحاديّ آنذاك، في العراق وفي لبنان وغيرهما

:بعد مجيئه نهائيّاً إلى لبنان، أخذ السيِّد فضل الله دور المنظّر الفكريّ عبر
 
تأصيل المفاهيم الإسلاميّة المتعلّقة بمختلف قضايا الحياة لدى الإنسان المعاصر، ما فتح الباب لدخول الإسلام إلى العصر من بابه الواسع والمتين، وقد كانت هذه المفاهيم تصدر في كرَّاساتٍ بعنوان "مفاهيم إسلاميّة عامّة"، وكان لها أثرها البالغ في تنشئة الجيل المسلم. الإصدارات
 الفكريَّة الّتي كانت تغطِّي حاجات السَّاحة، وتحاول الإجابة عن الإشكاليَّات الّتي يفرزها العمل الخاضع لتجاذباتٍ عديدةٍ أو لسياقاتٍ قد تحرفه عن الأصالة الإسلاميَّة لدى الجيل الإسلاميّ الحركيّ النّاشئ، بما كان السيِّد يخطِّط فيه لحركة المستقبل ولا يستغرق في اللّحظة الحاضرة. ما يدل ّعلى ذلك، أنّه وفي خضمّ الحرب الدّاخليّة اللّبنانيّة، والّتي كانت الدّماء فيها تسيل أنهاراً بفعل التعصّب الطائفيّ والغرائزيّة المجنونة، كان السيِّد يكتب "الحوار في القرآن"، وكتب "الإسلام ومنطق القوّة"، لينظِّر لأبعادٍ تتجاوز المرحلة، وتضع أمام القرَّاء القاعدة الإسلاميَّة في العلاقة مع الآخر، وفي إدارة عمليّة القوَّة وصناعتها وحركتها، وكتب السيِّد كتابه التأسيسيّ للعاملين "خطوات على طريق الإسلام"، كما كان قد كتب وهو في النّجف كتابه الأوّل: "أسلوب الدّعوة في القرآن"، ليركّز القواعد الفكريَّة لحركة الدّعوة الإسلاميّة التي اضطلع بها منذ نعومة أظافره

كتابة المقالات الفكريَّة المعمَّقة الّتي كانت تواكب نشأة الحركة الإسلاميَّة في لبنان، وتنظِّر لتحدّياتٍ كان يرصدها السيِّد عبر استشرافه للمستقبل، وتحتاج إلى تقديم معالجات فكريَّة وشرعيَّة لها. وقد كان سماحته يكتب في مجلَّة "الحكمة"، وقد جُمعت مقالاته في المجلَّة في كتاب "مع الحكمة في خطّ الإسلام"، وفي مجلّة "المنطلق"، وقد جمعت بعض مقالاته فيها، في كتاب "الحركة الإسلاميّة همومٌ وقضايا"
حلقات الحوار الفكريّ الّتي كانت تُجرى مع السيّد في الأندية الثقافيّة والجامعات والحوزات، أو عبر المقابلات الصّحافيَّة، حيث لم يكن يترك مناسبةً إلا ويعرض فيها الرّؤية الإسلاميَّة للحياة، وللقضايا المطروحة، في سبيل تأكيد فكرة أنَّ الإسلام مواكب للعصر، مرتكزاً في ذلك على اجتهادٍ متميّز، يقرأ النَّصَّ كما لو كان ينزل عليه، بمعزلٍ عن ركام الشّروح الّتي يستفيد منها، ويبني عليها، وينطلق منها، من دون أن يغرق في غمراتها، بما يُبعد فكره عن الاستقلاليَّة
المؤتمرات الّتي كان يُدعى إليها السيّد شرقاً وغرباً؛ وفيها كان يبرز خطابه غير الاستهلاكيّ، بل كان يطرح القضايا من موقع الجدّة، بما كان يدفع القائمين على المؤتمرات إلى تبنّي ورقة السيِّد بالكامل عند صوغ مقرّرات هذه المؤتمرات
الاحتفالات المتنوّعة الّتي كانت تشكّل للسيِّد منبراً فكريّاً يتحرَّك على أساس تثقيف الأمَّة بالفكر الأصيل الواعي
وعلى قاعدة "طبيبٌ دوّار بطبّه"، كان السيِّد يستغلّ كلّ مناسبة اجتماع، ومنها السَّهرات المسائيَّة الّتي كانت تضمّ عدداً من العاملين في الحقل الإسلاميّ العام، ليمنح الفكر الإسلاميّ للواقع المتعطّش لمعرفة قواعده، بما يضمن سلامة الحركة في غمرة التحدّيات

ومن الواضح للمتتبّع، أنّ حركة السيّد الفكريّة كانت عنوان شخصيَّته، ولم تنطلق شخصيّته كمفكّرٍ لتحجز نفسها في إطار المؤتمرات الّتي تضمّ النّخب الفكريّة والثّقافيّة، بل انطلق كمفكّرٍ يطرح فكره في كلِّ موقعٍ بالمستوى والشَّكل المناسبين، فكان منبر المسجد منبراً فكريّاً، وكذلك المنبر الحسيني، والمقابلة الصّحافيّة، والاحتفالات وما إلى ذلك، بما شعر معه الجيل الّذي واكبه طوال سنوات التَّأسيس، بأنَّ سماحته يكاد يقدِّم إليه كلَّ شيء ممّا يحتاجه العاملون على مستوى القاعدة والتّخطيط والحركة، كما كان يؤمّن له الرِّعاية على مستوى متابعة الواقع. ولذلك، يرى البعضُ أنَّ الواقع الفكريّ الّذي عاشه الإسلاميّون، مدينٌ ـ بالخصوص ـ للمرحلة الممتدَّة منذ أواسط الستيّنيات إلى أواسط التسعينيات، لتعيش الحالة الإسلاميّة بعد ذلك تراجعاً ثقافيّاً، نتيجة محاولات النّيل من السيّد فضل الله على إثر إعلانه مرجعيّته الفقهيَّة

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ استشهاد السيِّد محمَّد باقر الصَّدر في العام 1980م، جعل من السيِّد ـ في موقعه الفكريّ ـ المرجعيَّة الفكريَّة والحركيَّة الوحيدة للعاملين المنتمين إلى حزب الدّعوة الإسلاميّة الّذي أسّسه الشّهيد الصّدر، وكان السيّد يواكبه بالتَّنظير الفكريّ منذ التَّأسيس في العراق، فتحمّل(ره) مسؤوليَّة الإشراف والتَّوجيه لمسيرة العاملين من موقعه الّذي يحتفظ فيه بمساحةٍ بعيدةٍ عن الانتماء إلى التَّنظيم الحزبي، مواكباً تلك المسيرة في الوقت عينه

في موازاة كلّ ذلك، كانت حركة السيِّد الفكريَّة تتجاوز لبنان، ليطلَّ(ره) على الجاليات الإسلاميّة في الشّرق والغرب؛ فكان له في المؤتمرات الفكريّة الموقع المتميّز، ومن بين البلدان الّتي زارها في هذا المجال: الهند وباكستان وإيران والجزائر وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وغيرها من البلدان، وكان لزياراته لبلدان الاغتراب والهجرة، الصّدى الكبير في تعريف الجالية المسلمة على الإسلام المنفتح على قضايا العصر، والمنطلق من عمق الأصالة الّتي يمثّلها القرآن الكريم والسنَّة الشّريفة

بدأ نشاط السيّد فضل الله الفكريّ يبرز منذ أن كان في النّجف الأشرف، حيث تركّز ذلك في ميدانين أساسيّين

كتابة الافتتاحيّة الثانية في مجلّة الأضواء الّتي كانت تعبّر عن تطلّعات الحركة الإسلاميّة، وذلك تحت عنوان "كلمتنا"، حيث كان السيّد يطرح معالجاته ورؤيته للمواضيع المتنوّعة الّتي تؤسّس للوعي المعاصر للإسلام في جُملة من القضايا الّتي كانت تفرضها المرحلة آنذاك، وقد جُمعت هذه المقالات في كتاب " قضايانا على ضوء الإسلام"
المشاركة في النَّدوات واللّقاءات مع الاتجاهات غير الإسلاميَّة في قضايا الفكر والعقيدة، ولا سيَّما مع المدِّ الثقافيّ الّذي أطلقه الفكر المادّيّ الإلحاديّ آنذاك، في العراق وفي لبنان وغيرهما
:بعد مجيئه نهائيّاً إلى لبنان، أخذ السيِّد فضل الله دور المنظّر الفكريّ عبر

تأصيل المفاهيم الإسلاميّة المتعلّقة بمختلف قضايا الحياة لدى الإنسان المعاصر، ما فتح الباب لدخول الإسلام إلى العصر من بابه الواسع والمتين، وقد كانت هذه المفاهيم تصدر في كرَّاساتٍ بعنوان "مفاهيم إسلاميّة عامّة"، وكان لها أثرها البالغ في تنشئة الجيل المسلم
الإصدارات الفكريَّة الّتي كانت تغطِّي حاجات السَّاحة، وتحاول الإجابة عن الإشكاليَّات الّتي يفرزها العمل الخاضع لتجاذباتٍ عديدةٍ أو لسياقاتٍ قد تحرفه عن الأصالة الإسلاميَّة لدى الجيل الإسلاميّ الحركيّ النّاشئ، بما كان السيِّد يخطِّط فيه لحركة المستقبل ولا يستغرق في اللّحظة الحاضرة. ما يدل ّعلى ذلك، أنّه وفي خضمّ الحرب الدّاخليّة اللّبنانيّة، والّتي كانت الدّماء فيها تسيل أنهاراً بفعل التعصّب الطائفيّ والغرائزيّة المجنونة، كان السيِّد يكتب "الحوار في القرآن"، وكتب "الإسلام ومنطق القوّة"، لينظِّر لأبعادٍ تتجاوز المرحلة، وتضع أمام القرَّاء القاعدة الإسلاميَّة في العلاقة مع الآخر، وفي إدارة عمليّة القوَّة وصناعتها وحركتها، وكتب السيِّد كتابه التأسيسيّ للعاملين "خطوات على طريق الإسلام"، كما كان قد كتب وهو في النّجف كتابه الأوّل: "أسلوب الدّعوة في القرآن"، ليركّز القواعد الفكريَّة لحركة الدّعوة الإسلاميّة التي اضطلع بها منذ نعومة أظافره
كتابة المقالات الفكريَّة المعمَّقة الّتي كانت تواكب نشأة الحركة الإسلاميَّة في لبنان، وتنظِّر لتحدّياتٍ كان يرصدها السيِّد عبر استشرافه للمستقبل، وتحتاج إلى تقديم معالجات فكريَّة وشرعيَّة لها. وقد كان سماحته يكتب في مجلَّة "الحكمة"، وقد جُمعت مقالاته في المجلَّة في كتاب "مع الحكمة في خطّ الإسلام"، وفي مجلّة "المنطلق"، وقد جمعت بعض مقالاته فيها، في كتاب "الحركة الإسلاميّة همومٌ وقضايا"
حلقات الحوار الفكريّ الّتي كانت تُجرى مع السيّد في الأندية الثقافيّة والجامعات والحوزات، أو عبر المقابلات الصّحافيَّة، حيث لم يكن يترك مناسبةً إلا ويعرض فيها الرّؤية الإسلاميَّة للحياة، وللقضايا المطروحة، في سبيل تأكيد فكرة أنَّ الإسلام مواكب للعصر، مرتكزاً في ذلك على اجتهادٍ متميّز، يقرأ النَّصَّ كما لو كان ينزل عليه، بمعزلٍ عن ركام الشّروح الّتي يستفيد منها، ويبني عليها، وينطلق منها، من دون أن يغرق في غمراتها، بما يُبعد فكره عن الاستقلاليَّة
المؤتمرات الّتي كان يُدعى إليها السيّد شرقاً وغرباً؛ وفيها كان يبرز خطابه غير الاستهلاكيّ، بل كان يطرح القضايا من موقع الجدّة، بما كان يدفع القائمين على المؤتمرات إلى تبنّي ورقة السيِّد بالكامل عند صوغ مقرّرات هذه المؤتمرات
الاحتفالات المتنوّعة الّتي كانت تشكّل للسيِّد منبراً فكريّاً يتحرَّك على أساس تثقيف الأمَّة بالفكر الأصيل الواعي
وعلى قاعدة "طبيبٌ دوّار بطبّه"، كان السيِّد يستغلّ كلّ مناسبة اجتماع، ومنها السَّهرات المسائيَّة الّتي كانت تضمّ عدداً من العاملين في الحقل الإسلاميّ العام، ليمنح الفكر الإسلاميّ للواقع المتعطّش لمعرفة قواعده، بما يضمن سلامة الحركة في غمرة التحدّيات

ومن الواضح للمتتبّع، أنّ حركة السيّد الفكريّة كانت عنوان شخصيَّته، ولم تنطلق شخصيّته كمفكّرٍ لتحجز نفسها في إطار المؤتمرات الّتي تضمّ النّخب الفكريّة والثّقافيّة، بل انطلق كمفكّرٍ يطرح فكره في كلِّ موقعٍ بالمستوى والشَّكل المناسبين، فكان منبر المسجد منبراً فكريّاً، وكذلك المنبر الحسيني، والمقابلة الصّحافيّة، والاحتفالات وما إلى ذلك، بما شعر معه الجيل الّذي واكبه طوال سنوات التَّأسيس، بأنَّ سماحته يكاد يقدِّم إليه كلَّ شيء ممّا يحتاجه العاملون على مستوى القاعدة والتّخطيط والحركة، كما كان يؤمّن له الرِّعاية على مستوى متابعة الواقع. ولذلك، يرى البعضُ أنَّ الواقع الفكريّ الّذي عاشه الإسلاميّون، مدينٌ ـ بالخصوص ـ للمرحلة الممتدَّة منذ أواسط الستيّنيات إلى أواسط التسعينيات، لتعيش الحالة الإسلاميّة بعد ذلك تراجعاً ثقافيّاً، نتيجة محاولات النّيل من السيّد فضل الله على إثر إعلانه مرجعيّته الفقهيَّة

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ استشهاد السيِّد محمَّد باقر الصَّدر في العام 1980م، جعل من السيِّد ـ في موقعه الفكريّ ـ المرجعيَّة الفكريَّة والحركيَّة الوحيدة للعاملين المنتمين إلى حزب الدّعوة الإسلاميّة الّذي أسّسه الشّهيد الصّدر، وكان السيّد يواكبه بالتَّنظير الفكريّ منذ التَّأسيس في العراق، فتحمّل(ره) مسؤوليَّة الإشراف والتَّوجيه لمسيرة العاملين من موقعه الّذي يحتفظ فيه بمساحةٍ بعيدةٍ عن الانتماء إلى التَّنظيم الحزبي، مواكباً تلك المسيرة في الوقت عينه

في موازاة كلّ ذلك، كانت حركة السيِّد الفكريَّة تتجاوز لبنان، ليطلَّ(ره) على الجاليات الإسلاميّة في الشّرق والغرب؛ فكان له في المؤتمرات الفكريّة الموقع المتميّز، ومن بين البلدان الّتي زارها في هذا المجال: الهند وباكستان وإيران والجزائر وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وغيرها من البلدان، وكان لزياراته لبلدان الاغتراب والهجرة، الصّدى الكبير في تعريف الجالية المسلمة على الإسلام المنفتح على قضايا العصر، والمنطلق من عمق الأصالة الّتي يمثّلها القرآن الكريم والسنَّة الشّريفة
نظم السيّد فضل الله الشعر في سنّ مبكرة جدّاً (10 سنوات)، وتحرّك في تجربته الشعريّة حتّى أصبح نجمه لامعاً في الاحتفالات الأدبيّة التي كانت تُعقد في النجف وغيرها
تميّز شعره بالجدّية في مواضيعه، فكان للعشق الإلهيّ حيّز مهمّ، إضافةً إلى القضايا الإسلاميّة الكُبرى، وكان من أبرز ذلك، ما ألقاه السيّد فضل الله في أربعينيّة السيّد محسن الأمين، في بيروت، وكان عمره 16 عاماً، وهي قصيدة مهمّة دعا فيها إلى الوحدة الإسلاميّة ونبذ التعصّب والطائفيّة، في دلالة على أفقه الإسلاميّ والفكريّ آنذاك
قال المؤرّخ السّيد حسن الأمين لأحد مساعدي السيّد: "لو تفرّغ سيّدك للشعر، لأصبح أفضل شاعر عند العرب"
:خطيب المنبر الحسيني العلاّمة الشاعر الشيخ أحمد الوائلي، يكتب للسيّد فضل الله قصيدة، عندما بعث إليه ديوانه "قصائد للإسلام والحياة"، ورد فيها
قرأتُك في هذا جَميعاً فبانَ لي بِأنّكَ كَوْنٌ لخَّصَتْهُ سُطورُ
تلقّ السيّد فضل الله بعض النّقد في النّجف تجاه تجربته الشعريّة، بحجّة أنّ ذلك يؤثّر سلباً في تحصيله العلميّ، فلجأ إلى عمّه الفقيه السيّد محمد سعيد فضل الله(ره)، الّذي أشار إليه أن لا يعبأ بذلك؛ لأنّ الذّوق الأدبيّ يمثّل حاجةً مهمّة للاجتهاد الّذي يتوجّه إلى النصّ العربيّ (القرآن والسنَّة)
ويذكر السيِّد فضل الله أنّ الشّعر لم يمثّل لديه انشغالاً عن تحصيله؛ لأنّه ينظم الشّعر مترسّلاً، فيكتب عشرات الأبيات في بضع دقائق، أي أنّه يكتب شعراً كما يكتب نثراً في فكرةٍ معيّنة، وربّما يعكس شيئاً من ذلك، قول السّيد حسن الأمين الآنف الذّكر
ومن الطّرائف الّتي يذكرها السيّد، أنَّه كتب قصيدةً طويلةً في الحجّ وهو على ظهر الحافلة
صدر للسيّد فضل الله أربعة دواوين شعريّة، هي: "على شاطئ الوجدان"، "قصائد للإسلام والحياة"، "يا ظلال الإسلام ـ رباعيّات"، والديوان الأخير "في دروب السبعين"
:لم يكن شعر السيّد إلا كما كان هو؛ رساليّاً، وكان آخر بيتين فاضت بهما روحه قبل أربعين يوماً من وفاته، في غمرة الآلام والأرق الّذي لازمه خلال الفترات الأخيرة من مرضه
أنا حَسْبي إنْ تَغَشّاني الدُّجى في ظَلامِ اللَّيْلِ آهاتُ جُروحي
فالْتِفاتاتُ حَياتي فِكْرَةٌ سَوْفَ تَبْقى حُلُماً فَوْقَ ضَريحي

لم يكن يدور في اهتمام السيّد فضل الله مسألة تصدّيه للمرجعيّة الفقهيّة، وكان يعبّر دائماً للمحيطين به: "ما معنى أن يكون لديك مقلّدون من الناحية الذاتيّة؟!"

ولعلّ أفضل من يعبّر عن تلك المرحلة هو السيّد نفسُه، حيث يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه: أمّا المرجعيّة، فأنا لم أفكّر بالمرجعيّة، ولكنّها فكّرت بي. لم تكن المرجعيّة طموحي، وإن كنت أجد نفسي أهلاً لها، لكنّي كنت أفكّر أنّ التقاليد الإسلاميّة الشيعية تجعل المرجعيّة في داخل الحوزات، في النجف أو في قمّ، ولم تكن المرجعيّة في العصر الحاضر كما كانت؛ تتبع بلد المرجع، فقد تكون في الحلّة، وقد تكون في النّجف، وقد تكون في أصفهان، وقد تكون في قمّ، ولكنّها بحسب التقاليد المرجعيّة، أصبحت في النجف وفي قمّ. ولذلك، كنت أقول للّذين يطلبون منّي ذلك، إنّ لبنان ليس مركز المرجعيّة، ولذلك لا أجد ضرورةً للمرجعية؛ لأنّ همّي أن أخدم الإسلام أكثر، ولا تزيد المسألة ـ في خدمة الإسلام ـ أن يكون هناك من يأخذ بآرائي أو لا يأخذ بآرائي. ولكنّها فُرضت عليّ، حيث رجع إليّ الكثير من الناس ـ بالرّغم من أنني كنتُ أقول لهم إنّي لست مرشّحاً للتّقليد ـ حتّى إنّني إلى وقتٍ متأخّر، كنتُ أشير إلى بعض المراجع المعاصرين ممّن لم يرضَ الكثيرون من النّاس بإشارتي إليهم، وأعتقد أنّ بعض المرجعيّات المعاصرة كانت على أكتافي بنسبة كبيرة جدّاً

وقد رأيتُ أنّ المراجع قد يعيشون في دائرة مغلقة، بلحاظ ظروفهم الخاصّة، أو بلحاظ تقاليد المرجعيّة التي لا تسمح للنّاس بالدّخول معهم في نقاشات في كثير من القضايا، ورأيت حاجة النّاس إلى مرجعٍ يتّصلون به في اللّيل والنّهار، ويقرأون آراءه السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بحيث يملأ الفراغ؛ لأنّ المرجعيّات المعاصرة ـ مع كلّ احترامي لها ـ لا تملأ كثيراً من فراغ الجيل المعاصر من النواحي العامّة.
لذلك، وجدتُ قبولي للمرجعيّة التي فُرضت عليّ مسؤوليّة شرعيّة، وقد رأيت منذ ذلك الوقت حتّى الآن الكثير من الإيجابيّات في مسألة ثقة الشباب بالمرجعيّة؛ لأنّني أعيش في اللّيل والنّهار من خلال الاتّصالات الهاتفيّة، واللقاءات العامّة، والاستفتاءات، والإنترنت، وما إلى ذلك، مع الناس. لذلك إنّني لا أعتبرها امتيازاً، أو مسألة ذاتيّة، ولكنّها مسؤوليّة
وقد واجهتُ الكثير من التعسّف، ومن عدم التقوى، ومن الحملات الظالمة في هذا المجال، ولكنّي في الوقت نفسه، رأيت أنّ أكثر هذه الحملات تساقطت أمام كلّ هذا الامتداد الشعبي في العالم، وسقطت كلّ هذه الكلمات إلا القليل منها. ولذلك فلستُ نادماً على ذلك، ولست مزهوّاً بذلك
وإنّني أُشهد الله، أنّه لو جاءني شخص الآن وقال لي: لم يبقَ لك من يقلّدك، فإنّني لا أشعر بالفراغ؛ لأنّني لا أزال مشغولاً بالإسلام كلّه

وقد كان تصدّي السيّد فضل الله للمرجعيّة الفقهيّة سبباً مباشراً في شنّ حملة افتراءات على شخصه، بما يمسّ العقيدة والانتماء إلى خطّ أهل البيت(ع)، بما بات واضحاً من السّياق والأساليب والأدوات، أنّه لم يكن يستهدف النّقاش العلميّ الموضوعيّ، وإنَّما التّحطيم والتّشويه لأهدافٍ أخرى قد تتَّصل بطبيعة الصّراع الذي يشهده الواقع نتيجة اختلال موازين القوى لمصلحة شخصٍ يراه الآخرون عقبةً في وجه حركة معيَّنة.وقد حاول البعض، حتّى من زملائه، التّشكيك في مكانته العلميّة، وقد كان واضحاً للكثيرين الطابع السياسيّ الّذي كان يتحرّك في تلك المرحلة، في خفض هذا أو رفع ذاك. ويقول السيِّد في هذا المجال، مجيباً عن سؤالٍ حول هذه النّقطة بالتّحديد: إنّني لستُ بِدعاً من النّاس الّذين يشكّك بعض النّاس في اجتهادهم، ومن حقِّ إنسانٍ أن يقتنع أو يشكّك بطريقته الخاصَّة. فقد كنتُ أقرأ في بعض كتاب "قصص العلماء"، أنَّ هناك من كان يشكِّك في اجتهاد صاحب الجواهر في زمنه، أو في اجتهاد الشَّيخ جعفر صاحب كتاب "كشف الغطاء"، والكثيرين من العلماء الّذين أصبحوا رموزاً للاجتهاد المطلق في تاريخنا الاجتهادي، باعتبار أنّ المسألة لم تكن مسألةً موضوعيّةً، ولكنّها كانت في كثير من الحالات مسألةً ذاتيّةً

ثمّ إنّ المشكلة هي أنَّ النّظرة إلى القاعدة الاجتهاديّة تختلف؛ فالمطروح في أكثر الحوزات، هو أنّ الإنسان كلّما كان دقيقاً في المسألة الأصوليّة، والتي تطلّ على المسألة الفلسفيّة أكثر، كان مجتهداً أكثر.
بينما أفكّر ـ من خلال المنهج ـ أنّ الإنسان كلّما انفتح على الدقّة الفلسفيّة أكثر، ابتعد عن فهم الكتاب والسنّة أكثر؛ لأنّه سوف يفهمها بالطّريقة الهندسيّة، لا بالطّريقة العُرفيّة. وإنّني أتصوّر أنّ الإنسان الّذي لا يملك ثقافة اللّغة العربيّة، بنحوٍ يكون أديباً، أو قريباً من صفة الأديب، والإنسان الّذي لا يملك الثقافة القرآنيّة من خلال ذهنيّة المفسّر، من الصّعب أن يكون مجتهداً. إنّ المسألة أنّهم ينظرون إلى الاجتهاد بطريقةٍ لا أوافق عليها، كما أنظر إلى الاجتهاد بطريقةٍ لا يوافقون عليها؛ فالاختلاف في المبنى علماً أنّ تميّز السيّد فضل الله في هذا الإطار، قد سبق وأوردناه في الحديث عن مرحلة النّجف والدّراسة والتّدريس.والواقع أنّ محاولات ضرب ثقة النّاس بالسيِّد لم تكن مقصورةً على المرجعيّة، بل كانت هناك أصواتٌ وإن كانت خافتة ـ أيّام التجاذب لدى بعض الأطراف، بين مرجعيّة السيّد الخوئي(ره) ومرجعيّة السيّد الخميني(ره)، حيث كان السيّد يرى أنّ السيّد الخوئي أعلم فقهيّاً من السيّد الخميني(ره)، وكان هناك أطراف يسعون إلى توحيد القيادة والمرجعيَّة في إيران، مع أنّ السيِّد الخميني(ره) نفسه لم يكن يرى ذلك لازماً من النّاحية الفقهيّة، كان السيّد فضل الله من الدّاعمين لخطّ الثورة وكيانها الإسلاميّ، ولكنّه في المسألة الثقافيّة الاجتهاديّة، كان يرى الأعلميّة في موقع آخر

نعم، لا شكّ في أنّ الموضوع بلغ ذروته عند الإرهاصات الأولى لطرح السيّد مرجعيّته، وكان عنوان السيّدة فاطمة الزّهراء(ع)، هو محور الإثارة التي أخذت من الزّخم العاطفيّ والحالة العصبيّة المذهبيّة إوارها في هذا المجال. ولا تزال هذه الحملة الظّالمة على السيّد(ره) مستمرّةً على مواقع الإنترنت وفي بعض المواقع، مذكّراً حاله بما ناله جدّه أمير المؤمنين عليّ(ع) من استمرار سبّه على المنابر سبعين عاماً.لم تُثنِ هذه الحملات السيّدَ عن مواصلة مسيرته الفكريّة والاحتضانيّة، حتى للجهات التي انخرطت ـ فعلاً أو سكوتاً ـ عن هذه الحملات؛ لأنّ ثوابته المتعلّقة بحماية الإسلام فكراً وحركةً، كانت بمكان لا تقبل التّنازل.. ومع ذلك، كان لحضوره مع النّاس أثره البالغ؛ لأنّ السيِّد كان مرجعاً يعيش مع النّاس، ولا تفصله عنهم أيّة حواجز؛ وبذلك عرف كثير من النّاس طبيعة آراء السيِّد، وأدركوا أنَّ وراء الموضوع خلفيَّات غير فكريَّة وغير عقيديّة، وإنَّما تعقيدات قد تفرزها الحالات القلقة في إدارة الحركة الفكريَّة أو السياسيَّة في الواقع الإسلامي.

ومن اللافت في ذلك الوقت، أن اتّحدت على السيِّد جهات عديدة، لم يكن ليجمعها جامعٌ سوى محاولة إلغاء أو شطب هذه الشّخصيَّة من واقع التأثير، الذي بلغ مستوى من الحضور والقوّة والاستقلاليّة، شعر معه الكثيرون بأنّه مشكلة لأيّ طروحات أخرى. وقد بلغت التّعقيدات المرجعيّة إلى أنّ عدداً من الحركات الإسلاميّة الّتي احتضن السيّد مسيرة تنشئتها الفكريّة، وواكب صعودها الكبير، باتت تشعر بالحرج من طرح اسم السيّد في أيّ موقعٍ من المواقع؛ وبذلك تمّ تغييبه عن ساحتها الفكريّة والثقافيّة، فخسرت التّنظير الفكريّ والمواكبة الثقافيّة لتحوّلاتٍ كبيرةٍ لم يكن سوى السيّد ليملأ فراغها باتّزان وعمق.

على مستوى التّنظيم، طرح السيّد فضل الله مشروعاً للمرجعية سمّاه مشروع "المرجعيّة المؤسّسة"، والّذي صدر في كتاب "المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية"، حيث يستند المشروع إلى ثلاثة مرتكزات أساسيّة

المرجع حيث يرى السيِّد أنَّه ـ مضافاً إلى شرط الأعلميَّة لمن يقول بها ـ والصّفات الأخرى للمرجع، لا بدَّ من توفّر صفاتٍ أخرى لكي يكون المقلَّد في الفتيا مرجعاً للشّيعة، لأنّ المرجع أصبح في الواجهة السّياسيّة في العالم، بعدما أصبحت مسألة الطّوائف أو الأديان تمثّل وجهاً من وجوه الحركة العالميّة… وقد أصبح النّاس يرجعون إلى المرجع في القضايا السياسيَّة والاجتماعيَّة، وما إلى ذلك من الأمور الّتي تقتحم على العالم الإسلاميّ كلّ مواقعه وقضاياه. وكذلك، فإنّ الفقيه لا يستطيع _ في المرحلة الحاضرة _ أن يعيش خارج نطاق قضايا عصره، باعتبار أنّ قضايا العصر، حتّى في الأمور الفقهيّة، تمثّل موضوعات الأحكام الّتي يحتاج المجتهد إلى أن يستنبطها ويحدّدها كمنهجٍ إسلاميّ في الحياة

:المؤسّسة المرجعيّة يحدّد سماحة السيّد فضل الله منهجيّة العمل للمؤسّسة المرجعيّة على أساس دائرتين رئيستين
الأولى إبعاد المرجعيّة عن الصّفة الشخصيّة، وجعلها مؤسّسةً متكاملةً موحَّدةً لا تعيش الفواصل في شخصيّات المراجع، ولا يتحدّد امتدادها الزمنيّ بحياة المرجع، بل تضمّ مختلف الطّاقات الّتي يحتاجها المرجع (رئيس المؤسّسة) في إطلالة المرجعيّة على العالم، فيستفيد من تجارب السّابقين ضمن التّراث المتوفّر لدى المؤسّسة، وتستمرّ من بعده من خلال المرجع الّذي يأتي بعده

الثّانية أن تتخلّى المرجعيّة عن حالتها التّقليديّة المتمثّلة بانكفاء الوسط الحوزويّ، بعيداً عن الاهتمامات العامّة في حياة المسلمين، فلا بدّ للمرجعيّة من أن تطلّ على قضايا العالم السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة
الأمّة الإسلاميّة يرى السيِّد فضل الله أنَّ المرجعيَّة المؤسّسة تلعب دوراً مهماً في تماسك الأمة الإسلامية ووحدتها، من خلال وحدة الموقف ووحدة الرؤية التي تستند إلى استيعاب شامل للحالة الإسلاميَّة في واقعها المعاصر وواقعها المستقبليّ، ما يتطلَّب عدم تأسيسها على نظرة شخصيّة، بل تنطلق من خلال تلاقح الطّاقات داخل المؤسّسة المرجعيّة.. كما تؤمّن للمرجعيّة المؤسّسة التّواصل المباشر بين المرجعيّة الشيعيّة وقاعدتها، والقاعدة الإسلاميّة عموماً

علماً أنَّ مشروع المرجعيَّة المؤسَّسة في امتداده الواقعيّ، بحاجةٍ إلى رأيٍ عام على مستوى الانتشار الإسلامي الاجتهادي الشيعي، يؤمن به ويدعمه ويتفاعل معه، ولا سيّما من خلال توفير الإمكانات التي تساعد حركة المؤسّسة المرجعيّة، وتطوّرها في بنيتها التنظيمية، وتهيّئ لقيادتها فرصة التأييد الانتخابي، وغير ذلك مما لا يتناسب مع أية مرجعية فردية محدودة الإمكانات، ولا سيما مع الحرب المجنونة الظالمة التي تستهدف المرجعيات الواعية والطليعية من قبل أكثر من فريق من الناس.وعلى هذا الأساس، يقول سماحته ـ في ردّ على سؤال بهذا الخصوص المرجعيّة المؤسّسة هي هيكل متكامل ينطلق من واقع إسلامي شيعي، يتحرّك مع الحوزات في التخطيط في خطّ فقهيّ يذهب إلى الفتوى بعدم ضرورة الأعلميّة في المرجع، مع توافق المجتهدين على مرجع واحد؛ وهذا أمر يحتاج إلى جهد فقهي، وإلى تعبئة فكريّة على مستوى الحوزات أوّلاً، وعلى مستوى الواقع الشيعي في العالم ثانياً؛ لأنّ الواقع الشيعي ـ كما الحوزات ـ لا يزال ينفتح على المرجعيّة الشخصانيّة، مرجعيّة الشخص لا مرجعيّة المؤسّسة

الرّسالة العمليّة الّتي تتضمّن الآراء الفقهيّة للسيّد فضل الله، صدرت في ثلاثة أجزاء مسمّاة "فقه الشّريعة"، حاول السيّد من خلالها أن يقرّب الأحكام الشرعيّة للمكلّف، فامتازت بالبساطة والوضوح إلى حدّ كبير، واختلف تبويبها عن التبويبات المتعارفة للرسائل العمليّة تسهيلاً على المكلّفين، وكان لديه طموح تأليف رسالة عمليّة تتضمّن الإشارة إلى المصادر الأساسيّة للفتوى الواردة فيها، بما يقرّب المكلّف إلى مدرك الحكم من جهة، ويمنحه ثقافةً فقهيّةً ولو مختصرة من جهة أخرى، ويؤكّد في ذهنه أنَّ الأساس في الشّريعة هو الكتاب والسنّة
اختصرت الأجزاء الثلاثة للرّسالة في كتاب واحد سمّي "أحكام الشّريعة"
وصدر للسيّد فضل الله أيضاً جزءان من "المسائل الفقهيّة" (أسئلة وأجوبة)، في العبادات والمعاملات.
إضافةً إلى ذلك، هناك أرشيف ضخم من الأسئلة الشّرعيّة وإجاباتها تراكمت عبر مراجعات النّاس عبر الإنترنت وغيره، خلال خمسة عشر عاماً

انطلق السيّد كفقيهٍ مجدّدٍ على أكثر من صعيد، معتمداً على تعدّد جوانب شخصيّته من جهة، وعلى متانة قاعدته العلميّة من جهةٍ أخرى

واعتبار السيِّد فضل الله(ره) مجدّداً، لا ينطلق من خلال إفتائه عدداً من الفتاوى الّتي خالف فيها المشهور والسّائد؛ بل من خلال تجديده في المنهج الاجتهاديّ الّذي انطلق على أساسه في نتاجه الفقهيّ والفكريّ؛ وهو ما يجعل منه مدرسةً متميّزة تمتدّ إلى عشرات السنين

ويُمكن رصد عدّة عناصر تميّز بها المنهج الاجتهاديّ التجديديّ للسيّد(ره)، وهي ـ مع ذلك ـ لا تمثّل قطيعةً مع التراث الفقهي الاجتهادي للفقهاء السّابقين، ولكنّ السيّد(ره) تميّز بقوّة حضور بعض العناصر في شخصيَّته، مع خبرته الطّويلة في الممارسة الاجتهاديَّة، إضافةً إلى جرأته العلميَّة

 :الّتي لم يكن يتوانى من خلالها عن إعلان قناعته في أيّ مسألة، فقهيّة كانت أو عقيديّة. أهمّ هذه العناصر
 ​
 مرجعيّة القرآن حيث اعتبر السيِّد في منهجه الاجتهاديّ، أنّ القرآن لا يقتصر دوره على ترجيح الرّوايات المتعارضة فحسب، بل إنّ للبيان القرآنيّ عندما يكون وارداً مورد القاعدة، دور الحاكم على دلالة السنّة؛ لأنّ الأحاديث بأغلبها هي تطبيقات للآية القرآنيّة، وبالتّالي، تتحرّك دلالاتها سعةً وضيقاً ـ بسعة الدّلالة القرآنيَّة وضيقها
 

وقد استفاد السيِّد(ره) من هذه الرّؤية، وخلص إلى نتائج اختلف فيها عن فقهاء آخرين، حيث اعتبر أنَّ بعض المفاهيم الواردة في الرّوايات ليست مطلقةً على ضوء العنوان القرآني الّذي يضيّق دائرتها. وعلى سبيل المثال، رأى السيّد(ره)، أنّ الفقهاء الذين أخذوا بإطلاقة مفهوم "الغناء" الوارد في الأحاديث، أخطأوا في ذلك؛ لأنّ الأحاديث استدلّت على حرمة الغناء بقوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[الحج:30]، أو بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}[لقمان: 6]؛ وهذان المفهومان لا يشملان إلا حالة كون الغناء مصداقاً لقول الزّور، وهو الباطل، أو مصداقاً للهو الحديث المضلّ عن سبيل الله، وبالتّالي، لا إطلاق في الرّوايات ـ بحسب ما يرى الفقهاء الآخرون

كما يشكّل الفهم العرفيّ للنّصّ، بأعلى مستوياته، عنصراً بارزاً في حركة السيّد فضل الله الاجتهاديَّة، حيث أمّنت ثقافة السيِّد(ره) الأدبيّة، وانخراطه في الحياة الاجتماعيَّة، تميّزاً في فهم النصّ العربيّ، في القرآن والسنّة، وذوقاً عرفيّاً يقارب فيه فهمه للنّصّ على السليقة العربيّة، وبعيداً عن التّجريد الّذي لا يناسب عالم الاستنباط

اهتمّ السيّد فضل الله(ره) بالحركة الإسلاميّة، وبتنشئة الطلائع القياديّة التي تعمل في قيادة العمل الإسلاميّ، معتبراً أنّ كلّ حركيّ لا بدّ من أن يكون مشروع قائدٍ

وقد ساهم السيّد فضل الله ـ إلى جانب زميله في الدراسة، الشهيد السيّد محمد باقر الصدر ـ في رعاية ومواكبة نشأة حزب الدّعوة الإسلاميّة وتطوّره، وبعد استشهاد الصّدر في العام 1980، وقعت المسؤوليّة في القيادة الفكريّة والمواكبة للمسيرة الحركيّة على عاتق السيّد فضل الله، إلى جانب قياديّين عديدين

وبقي السيّد في تلك الفترة محافظاً على استقلاليّته الحركيّة التي يحتفظ فيها بموقع مشرف على الواقع، موجّه له، من دون أن ينخرط في آليّاته التنظيميّة

كما حمل السيِّد خلال حركته، لواء الدّفاع عن رموز الوعي، في إطار حملات الضّغط والتّشويه التي ربّما تمارس عليهم في المجال الّذي يتحرّكون فيه، وقد كان يُثقل السيّد فضل الله، إحجام الكثيرين عن الاضطلاع بهذه المهمَّة بسبب اعتبارات سياسيّة، معتبراً أنّ أيّ حالةٍ يضعف فيها رمزٌ من رموز الوعي، لا بدّ من أن تلقي بظلالها على المسيرة كلّها.واعتقد السيِّد فضل الله أن لا قوّة للمسلمين، مهما كان انتماؤهم المذهبيّ، إلا بالوحدة الإسلاميّة. وقد نشأ هذا الشّعور مبكراً لدى السيِّد، فألقى في أربعينيّة السيِّد محسن الأمين في العام 1952 قصيدة دعا فيها إلى الوحدة الإسلاميَّة، قال فيها

.. فالمسلمون لبعضهم في الدين كالصّرح المشيد
لا طائفية بينهم ترمي العقائد بالجحود
والدين روحٌ برّةٌ تحنو على كلِّ العبيد
ترمي لتوحيد الصفوف ودفع غائلة الحقود
عاش الموحِّدُ في ظلال الحق في أفق الخلود
وقد نظّر السيد(ره) للوحدة الإسلامية، وكان له الفضل في التّأسيس للفكر والحركة الوحدويّين، كما أنّه كان عضواً مؤسّساً في "مجمع التّقريب بين المذاهب الإسلاميّة" في إيران، وقبل ذلك، عمل السيّد(ره) على التَّوجيه للعمل الوحدويّ، فكان من نتائج هذا التَّوجيه، تأسيس "تجمّع العلماء المسلمين" في لبنان. وقد كان السيِّد يقبل، بلا تحفّظ، دعم أيّ اتجاه وحدويّ، وجاء توقيعه على البيان التّأسيسيّ لـ "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، على هذا الأساس

هذا كلّه فضلاً عن دعواته إلى الحوار بين المسلمين الشّيعة وكلّ المذاهب الإسلاميَّة، وكان آخرها انفتاحه على الاتجاهات السلفيَّة السنّيّة، وقد أجرى حواراً في هذا الصَّدد نُشر في بعض الصّحف السعوديَّة، والّذي سلّط فيه الضّوء على كثير من المفاهيم المشوّهة في الذّهنيّة العامّة للمسلمين السنّة عن المسلمين الشّيعة وأفكارهم، وكان لهذا الحوار وغيره صدًى مهمّ في هذا المجال.وقد كانت فتاواه الحاسمة في رفض مبدأ السبّ واللّعن للصّحابة الكرام وأمّهات المؤمنين، دافعاً لملاقاته في ذلك من قبل جهات دينيّة عديدة. وهذا الأمر يدلّ على مدى العمق في استشراف المستقبل الّذي كان يحدّد الخطر قبل مجيئه. وربّما كانت الملاقاة المبكرة للعلماء لفتاواه في هذا الصّعيد قادرة على مراكمة تجارب الوحدة في ظروف ملائمة، قياساً بإطلاق الفتوى في ظروف أكثر حساسيّة.. وهذا ما لم يحصل بسبب دخول السّاحة الإسلاميَّة الشّيعيَّة في كثير من الأوضاع القلقة، ولا سيَّما تجاه الأفكار الّتي يطرحها السيِّد(ره) مستشرفاً فيها أخطار المستقبل، ولا سيَّما أنَّ السَّاحة كانت تعيش بعض القصور في مواكبتها

وكما في الدَّائرة الإسلاميَّة، انطلق السيِّد تجاه الآخر المختلف دينيّاً بالحوار، مطلقاً شعار أن "لا مقدَّسات في الحوار"، و"الحقيقة بنتُ الحوار"، مؤكّداً أنّ الإسلام أطلق مبدأ "الكلمة السواء" مع أهل الكتاب، وقد كان له مواقف عديدة واكبت إرساء دعائم الفكر الإسلامي المنفتح على الآخر، وقد جُمعت كلّها في كتاب "في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي"

عتبر السيّد فضل الله أنَّ المسجد يلعب دوراً محوريّاً في تعزيز الثّقافة الإسلاميّة والتّنشئة الرّوحيّة لدى الجيل المسلم، وكان المسجد إلى جانب الحوزة العلميّة في منطقة النّبعة في ضاحية بيروت الشَّرقية، هو الموقع الّذي خرّج الكوادر التي اضطلعت بالعمل الإسلاميّ في المراحل اللاحقة

وعندما انتقل السيّد فضل الله ـ بسبب الحرب الداخليّة اللبنانيّة التي بدأت في 1975م ـ إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة، كان مسجد الإمام الرّضا(ع) في بئر العبد هو المركزيّة الطبيعيّة للحركة الإسلاميّة التي تعزّز حضورها منذ الاجتياح الإسرائيليّ؛ ففيه احتضن سماحته الطّلائع الأولى للمجاهدين الّذين كانوا يقيمون الصّلاة بإمامته، وينطلقون إلى مواقع الجهاد ضدّ العدوّ مزوّدين بروحانيّة عالية، وكان المسجد يحتضنهم عندما يرجعون شهداء من ساحة المعركة ضدّ العدوّ الصهيونيّ، ليؤمّ الصلاة عليهم. وقد واكب بجهده وتضحياته المخاض الصّعب، والانطلاقة الكبيرة للخطّ المقاوِم طيلة فترة إمامته للصلاة في مسجد الرضا(ع)

كانت دروس السيّد في المسجد متنوّعة، فأسّس للثقافة القرآنيّة عبر درس التّفسير القرآني، ولثقافة الدّعاء عبر شروحه لأدعية الصّحيفة السجّادية وغيرها، وللبناء الرّوحي عبر التّذكير بالآخرة في دروس ليلة الجمعة مستتبعةً بدعاء كميل، ليكون يوم الجمعة المحطّة الّتي يطلق فيها السيّد(ره) الثّقافة الإسلاميّة والثقافة السياسيّة المواكبة للتحدّيات العالميّة والإقليميّة والمحلّية؛ فكان المرتاد لمسجد الإمام الرّضا(ع)، ومن بعده مسجد الحسنين(ع)، يتخرَّج من مدرسة فكريّة روحيّة سياسيّة جهاديّة، وكانت هذه المدرسة تحتضن أغلب قيادات العمل الإسلامي
 
أرشيف الصور​