بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمسلمين.
في البداية، لا بدّ أن نبارك لأنفسنا ونحن نتحسّس النعمة أو النِّعَم الإلهيّة في هذا الشهر المبارك، في ولادة الإمام الحسين والعباس وزين العابدين عليهم السلام، وصولًا إلى ولادة إمامنا المهدي (عج)، الذي يمثّل أملنا في هذا العالم الذي نرى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنّه مملوءٌ ظلمًا وجورًا.
في السابق، ربما كنا نتخيّل بأنّ العالم يُملأ جورًا بمشاهدتنا لبعض مظاهر الظلم والفساد الذي يحصل لدى شعب هنا يحاول أن يُخرج محتلًا من أرضه، ولدى شعب هناك يحاول أن يتنعّم بثرواته، فيأتي طامعٌ مستعمر ٌمن هنا أو هناك، او من وراء البحار، من أجل أن ينهب ثرواته ويصادر مستقبله، أو عندما يرى الإنسان سفك الدماء التي ضجّت منها الأرض في أكثر من موقع في هذا العالم. وكنا نتخيّل أنّ عصر الظهور قريب، وكلٌّ يرسم له مسارًا يلتقي بأحلامه وأمنياته، ويلتقي بأمله الكبير الذي يعيشه في نهاية المطاف أملًا بالله سبحانه وتعالى. وهذا كلّه صحيح، لا يُجانب شيئًا من الحقيقة.
لكن ما يتميّز فيما نشاهده اليوم أنّنا بتنا أكثر وعيًا لمعنى أن يملأ الله، أو أن تُملأ الأرض، ظلمًا؛ يعني أن نظام العالم من أقصاه إلى أقصاه يصبح منتجًا للفساد، وأن هذا الفساد يصبح جزءًا من الحياة، وأن هذه الحياة هي التي لا بدّ أن يسعى الإنسان إليها لكي يعيش معنى الحضارة.
انظروا إلى المعادلة: كل جهدنا في أن نخدم هذا النظام باسم أننا نريد أن نحيا، وكل عملنا ومستقبلنا وأجيالنا من أجل أن تَخدم هذا النظام، والذي نعرف بأنّه ينتج الفساد وينتج الظلم، ويعترف بشرعيّة من يضعون قوّتهم على أعناق البشر ويحذفونهم من مواقع الإنسانيّة. نحن نشعر بأنّنا نحيا في هذا النظام، بحيث لو سألت أي شاب في هذه الأيام: ما هو طموحك؟ يقول لك: لو عندي “باسبور” غير هذا “الباسبور”! الذي يمكن يشكّل لنا أزمة حيثما ذهبنا في هذا العالم. ويحسّ بأنّ حياته أفضل في هذا النظام، وهو يعرف بأنّ هذا النظام هو الذي قسّم بلاده، وهو الذي صادر ثرواته، وهو الذي يُكمّ الآن أفواه الناس، وهو الذي يسكت عن الابادات الجماعيّة، وهو الذي يزيح الضوء عن أي مجرم في هذا العالم لكيلا يُحاسب. نعرف الآن كل ذلك، ومع ذلك يسعى أبناؤنا بأنّهم يحتاجون إلى هذا النور الذي يخلقه هذا النظام. أيّ انحدارٍ للبشرية كهذا الانحدار؟ أيّ نَفَقٍ دخلنا فيه ونحن نرى حياتنا في موتنا، ونرى عزّنا في ذُلّنا، ونرى حريتنا في المزيد من احتلالنا!؟ سياستنا كيف ستكون؟ اقتصادنا كيف سنراه؟ اجتماعنا وعلاقاتنا وثقافتنا كيف ستتحرك؟ أليست في عكس الفطرة؟ أليست في عكس المبادئ؟! هذا معنى أن تُملأ الحياة جورًا، بمعنى أن يكون النظام هو منتجًا للجور في مدى الزمن القادم.
وعندئذ نفهم ما معنى أن تُملأ الحياة عدلًا، وماذا تتطلب من جهدٍ، ومن رؤيةٍ، ومن عملٍ، ومن جهادٍ، وفي أي مجال، لكي تتحول الحياة من نظام عالمي جائر إلى نظام عالمي عادل. عندئذٍ سيكون من السذاجة أن نشعر بأنّ الإمام سيظهر غدًا ليقوم عنا نحن بما يجب أن نقوم نحن به معه، ومن البساطة عندئذٍ أن نعتقد بأنّ هذا النظام العالمي الجائر المعقّد، والذي يتحكم به حَفنة من المنحرفين كما شاهدنا فضيحتكم الآن والعالم ساكت. عندما يكون خرّيجو هذه القيادة العالميّة من هذا الصنف المنغمس في المادة، وفي الشهوات، وفي الشيطنة، وفي عبادة الأنا والهوى، والنفاق الذي يحاكم العالم باسم حقوق الإنسان، وهو في الوقت نفسه يرمي الأجنّة لتموت في المياه وفي البحار، ويذبّح هذا، ويقصّ أطراف ذاك، ويشرب من دم هذا أو ذاك، في شيء أشبه بالخيال عندما تقرأه، ومع ذلك العالم يتقبّل. طبعًا، هذا مؤشر على النظام العالمي الجائر الذي دخل إلى داخل عقولنا وداخل نفسياتنا.
بالتالي، اليوم ندرك بأننا نحتاج إلى جهد كبير في الإصرار على أن تبقى هناك نوعية من الناس تنتسب إلى الله ربّ العالمين، وتنتسب إلى المهدي من خلال انتسابها إلى السماء.
هذه النوعية التي ترى الأفق في المستقبل القادم، والتي ترى أنّ جهودها لا بدّ من أن تَبذلها على أكثر من صعيد: علمًا كأعمق ما يكون العلم، وجُهدًا في أن يتجاوز الإنسان حافّة المستحيل فيما ينتج، وأن يرمق الإنسان الآفاق القادمة ليبدأ من الآن يخطط ويعمل من أجل أن تتلاقى جهود الأجيال.
هكذا نفهم الإنسان الذي ينتمي إلى المهدي (عج): الإنسان العالمي لا إنسان الزواريب، وإنسان الجمع لا إنسان الفرقة والفتنة، والإنسان الذي يفكّر بحجم العالم، ويتفاعل مع مآسي العالم ومصائب العالم، ولا يقبل ذلك المنطق الذي يفهم حركة الإمام (عج) بطريقة ضيّقة، كما أن يفهم بعض الشيعة – على سبيل المثال – أنّ المهدي سيأتي ليقتصّ من السُّنّة، وبعض السُّنّة يرون أنّ المهدي سيولد في زمن معيّن، ثمّ بعد ذلك سيقيم دولتهم مقابل الشيعة، والمسلمون يشعرون بأنّ المهدي سيأتي في دولتهم ضد غير المسلمين، وهكذا، مع أنّ العنوان هو عنوان العدل الذي ينشده كل أهل الأديان المخلصين.
هل لاحظتم أنّنا عندما بدأنا نجتمع على مأساتنا في غزة، وكان الإنسان يُقتل منّا ومنهم، ولم تكن تنظر أيُّ طائرة من طائراتهم، ولا خطّة من خططهم، ولا سياسة من سياساتهم، إلى مذهبِ هذا أو ذاك، وإلى تكتُّفِ هذا في صلاته أو إسبال يديه فيها، وإلى وضوء هذا أو ذاك. كان الجميع ملّة واحدة لديهم، لأن الاستكبار في المقابل هو ملّة واحدة، ينظر إلينا كأرقام. ولذلك عندما بدأنا نجتمع وننصهر في مشروع واحد، بدأت الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي: شيخٌ شيعيٌّ من الزمن البائد، من زمن الفتنة، يتحدّث بسوء عن السُّنّة، وشيخ سُنّي يتحدّث بسوء عن الشيعة. واكتشفنا في لحظة من اللحظات أنّ خطط المستكبرين لا يمكن أن تعمل إلّا وفق فتنة نتفرق فيها كمسلمين، في الوقت الذي نقرأ فيه كتابًا واحدًا، ونصلي إلى قبلة واحدة، ولدينا تاريخ واحد، وجغرافيا واحدة، ومصالح واحدة، وأجيالنا واحدة في كل معاناتها وكل آمالها، ومع ذلك نتفرّق في زواريب ضيّقة، وقضايا هامشيّة!
لن يكون هذا هو عصر الظهور، لأنّ الإمام (عج) يريد منّا أن نحدّق في الأفق الذي نكون فيه، نناطح سياسة هذا العالم المستكبر، نناطحه بالعلم، بالمعرفة، بالثقافة، بالروح، بالأخلاق، بالقيم، بإنشاء الحضارة الحقيقيّة في كل مجالات الحياة، لأنّ عقولنا ليست من تراب وعقول الآخرين من ذهب! عقولنا تنتج عندما تهاجر وتجد أمامها من يحتضنها، فتنتج ويستفيد الآخرون عنوانًا حضاريًا بما تنتجه أيدينا وعقولنا. ولذلك ممّ يخاف الآخرون؟ يخافون من أن تتحرّك الشعوب بطريقة يصبح نقطة التركيز والجذب فيها منطقتنا، لتعود الأدمغة مهاجرة إلى مكان تعمل فيه وتُحتضَن، ولذلك يريدون منّا أن نكون طاردين لا جاذبين! هكذا يعملون علينا! لدينا كل شيء. ولدينا ما لم تعطِه الحياة للآخرين: لدينا التاريخ، الجغرافيا، الثروات، الشباب، لدينا الروح، المادة، الأمن، الإيمان، والعمل. لدينا كل شيء لنكون حضارة، لكنهم يريدون ألا نفكّر كحضاريّين، وأن نشعر دائمًا أننا في الأدنى وفي الدرك الأسفل.
ولذلك، فالمسلم العالمي هو الذي لا ينظر مجيء الإمام (عج) في زمان ما، ثمّ يجلس على قارعة الطريق لأنّه لن يعمل شيئًا. المسلم العالمي هو الذي يعيش في كل الدوائر التي ينتسب إليها، بدءًا من وجوده كفرد هو يعيش هذا الأفق العالمي، يعيش معنى الروح والمادة في كل هذا العالم، ويقود نفسه على طبق ما يريد منه الله عزّ وجلّ، كما صنع الله إمامَه الذي سيقود مسيرته في نهاية الزمان، هو يصنع نفسه على طبق البرنامج ذاته. في دوائرنا الأسريّة نعيش هذا المعنى. في دوائرنا الصغيرة الجغرافيّة والاجتماعيّة نعيش هذا المعنى. في سياستنا نعيش هذا المعنى. في اقتصادنا نعيش هذا المعنى. في ثقافتنا نعيش هذا المعنى. وفي أفق العالم، عندما نصرّ على أن نبقى بشرًا نحسّ بكل إنسان في أي دائرة مشتركة بيننا وبينه، نحسّ بمعنى أن تنتسب إلى الإمام؛ لأن معاناة هذا الإنسان تعني الإمام فتعنيك، ولأنّ تحرير هذا الإنسان يعني الإمام فيعنيك، ولأنّ الأفق الذي سيدخل إليه الناس سيُدخلهم إليه الإمام، فيعنيك كذلك.
من هنا ندخل إلى معنى التكليف، لنختم ونقول: هذه هي قيمة التكليف؛ لأننا نصرّ على شيء له علاقة بما يريد الله وما لا يريد الله. معنى التكليف أنك تفعل ما يريده الله منك، وتترك ما لا يريده الله منك، (ويعلّمكم الله) من موقع أنه الأعرف بنا، والأعلمُ بما يصلحنا. فعندما نقوم بما علينا في تكليفنا، فمعنى ذلك أننا نصرّ على أن نبقى النوعيّة التي يريدها الله سبحانه وتعالى لا الكمّيّة التي يريدها الآخرون. التكليف يساوي النوعية. نوعية الإنسان الذي يبقى يتواصل مع الله، يصلي له ويدعوه، وينتظر أن يمنّ الله عليه بوحي من وحي الروح التي تتّصل بمعدن العظمة كلّها في هذا الوجود. هذا هو معنى أن يكون الواحد منا إنسانًا مكلّفًا: أن نبرمج هذا العقل ليتحرّك وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى ليتحرّك بالصدق، وأن نبرمج هذه الروح وهذه العاطفة لتبقى تنبض بالخير لهذا العالم، حتى ولو أضمر لها هذا العالم – جهلًا – كلَّ معنى الشر. وأن نتحرك في سلوك التقوى بما يريد الله سبحانه وتعالى، لأن التقوى هي الزاد الحقيقي والمعنى الحقيقي في هذا العالم. أي شيء بلا تقوى هو شكل لا معنى له.
ولذلك عندما نحتفل بالتكليف اليوم بمجموعة من فتياننا، شباب المستقبل، الذين يحملون بإذن الله هذا المعنى. وعلى الرغم من كلّ معاناتنا في السنتين الماضيتين، فإنّنا لو أردنا أن ندفع موازنات ضخمة على أن يعي أبناؤنا ما معنى هذا العالم الجائر والمستكبر، ربما ما وصلنا إلى ربع ما وصلنا إليه. الله سبحانه وتعالى ربّى هذا الجيل بما يشاء، ولعلّ له فيه شأنًا في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى. هذا الجيل الذي سيحمل بإذن الله هذه القضية.
عندما نحتفل بهذا الجيل الذي يدخل سنّ التكليف، فعلينا أن نعرف بأننا نتعامل مع نوعية لا مع أرقام، لا مع عدد. كلُّ واحد من هؤلاء له صِلَةٌ بالله عزّ وجلّ؛ لأن الله شاء له أن يوجد في الحيّز الذي شاءه أن يوجد فيه، وحيّزُه الوجودي لا بدّ من أن يعطيه كلَّه من أجل أن يكون اسمًا بإذن الله عز وجل في المستقبل.
هذه مسؤولياتنا نحن كمؤسسات، هذه مسؤولياتنا كأسر، هذه مسؤولياتنا كمجتمع، وهذه مسؤولياتنا عندما نصارع كل معنى السطحيّة والتفاهة التي يراد فرضها على هذا البلد وهذه المنطقة وهذا العالم، التفاهة التي لا تريد أن ننتج نوعيّات، وإنما تنتج فقط روبوتات وأرقامًا. نحن نصرّ على ذلك من أجل أن تبقى البيئة تنتج النوعية في الإنسان، لأنّ المستقبل مع الإمام (عج) ستصنعه النوعيّة بإذن الله سبحانه وتعالى.
مباركٌ هذا التكليف لكم، ومباركٌ لنا بكم هذا المستقبل الذي نتطلّع إليه من عيونكم، ومن عقولكم، ومن قلوبكم، ومن عملكم بإذن الله سبحانه وتعالى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم اجتماعاتنا على الخير، ونحن أحوج ما نكون إلى هذه الاجتماعات. ألا نسمح للوحش أن يمزقنا حتى لا نحس بالفرح ولا بالسرور. ينبغي أن نصرّ على البسمة في عمق الحزن، لأن حركتنا في مدى الرسالة كلها، ولأننا متوكلون في كل ما يصيبنا على الحيّ الذي لا يموت، والذي بيده مقاليد الأمور كلها، وله الأمر من قبل ومن بعد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




